لروايتهم عن الضعفاء وإكثارهم من المراسيل ، وكذلك تحفّظ هذه المدرسة مما كانت تعتبره غلواً في الدين ، وعليه ، فمن المؤكّد أن فريقاً نقّاداً في الوسط الشيعي ظهر قبل الكليني .
كما لا نشك في وجود ظاهرة متشدّدة عموماً من الحديث كانت موجودة في القرنين الرابع والخامس ، أمّا القول بأنّ الشيعة صفّوا أحاديثهم من الموضوعات على دفعتين ، فلم تعد هناك حاجة للتصفية ، فهو قول يحتاج إلى مزيد من التأمّل ، إذ هل لدينا اطّلاع على ما كان عند الشيعة من روايات حتى نعرف هل أحسن الكليني بشكل كامل في الانتخاب أم لم يحسن ؟ كيف يمكن غضّ الطرف عن موقف مثل الشيخ المفيد من الشيخ الصدوق وفريق المحدّثين آنذاك وهو يحمل عليهم بعدم التمييز والنقد المضموني للأحاديث ؟ ! هل شهادة المرتضى التي نقدت رجال الحديث - وقد ذكرنا هذه الكلمات في كتابنا نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي - هامشية لا ينبغي الوقوف عندها ؟ ! ربما احتجنا إلى المزيد من البحث لنعرف هل أصاب المحدّثون آنذاك أم أخطأوا ؟ وبأيّ مقدار ؟
ولسنا نقصد بذلك إبطال ما بأيدينا قدر ما نقصد مجموع ما بأيدينا وما حذفوه ولم يصل إلينا ، فلعلّنا لو اطلعنا على ما حذف - مع ما ابقي - لآخذناهم واختلفنا معهم في موازينهم ، فأبقينا بعض ما حذفوه وحذفنا بعض ما أبقوه .
ثانياً : إذا كان الشيعة قلقين على انهيار مكانة السنّة بفتح ملفّ الموضوعات فهم مخطئون ، وشاهدُنا على هذا الخطأ رصد الموقف السنّي ، فقد صنّف السنّة في الموضوعات الكثير ، لكن اعتقادهم بمصادرهم الحديثية ظلّ أقوى من اعتقاد الشيعة بتلك المصادر ، حيث نجدهم صحّحوا بعض الكتب بطريقة مبالغ بها جداً كصحيحي البخاري ومسلم ، إنّ هذه تجربة تاريخية حيّة تؤكّد أن فتح باب
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 495
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٩٥