ومن ذلك التقرّب إلى العوام ، بجلب انتباههم لتحصيل مكانةٍ عندهم أو مال ، وهذا ما عرف عن ظاهرة القصاصين الذين امتلكوا سلطة جماهيرية ( سلطة العوام ) حتى كان العلماء والفقهاء يخشونهم ويخشون ألسنتهم ، وقصّة الإمام محمد بن جرير الطبري ( 310 ه - ) واضحةٌ معروفة .
وقد امتازت قصصهم بالخرافات والمعاجز والكرامات والتهويل والتعظيم وخوارق العادات وعظائم الأشياء حتى زرعوا صورةً غير واقعية عن أحداث التاريخ والماضي والآخرة والجنة والنار وعصر الظهور وما قبله وما بعده وأشراط الساعة ، مما يعرف بالملاحم والفتن في آخر الزمان .
ومن ذلك أيضاً الوضاعون الذين يضعون لمصالح فئوية لا تنطلق من بُعد ديني أو مذهبي ، فيضعون الروايات في فضل الأقوام التي ينتمون إليها ، فإذا كان فارسياً وضع ما ينفعه وإذا كان عربياً فعل ذلك ، وصارت لغة الجنة بلغته ولغة النار بلغة خصومه ، وهكذا بدأ الانحياز للعرف واللغة واللون والقبلية والعشيرة والقومية والمنطقة ، فصارت بعض المدن أفضل المدن ، وبعض الأنهار خير الأنهار ، وثمار هذه المنطقة خيرٌ من غيرها « 1 » .
ومن هؤلاء وضّاعون صغار ، قد يضعون حديثاً أو اثنين لنفع نفسه ، كما لو كان يعمل في عملٍ ما فيضع الحديث لصالحه ، ومن ذلك وضع الحديث أثناء مناظرةٍ ما ؛ لتحقيق الغلبة على الخصم وتبكيته .
هذه هي أهم الأسباب المعروفة المشهورة للوضع ، والتي حشد لها بعض العلماء بعضَ الوقائع هنا وهناك ، إلا أننا لا نرى حاجةً لحشد شواهد على وقوع هذه
هامش
( 1 ) انظر : أحمد أمين ، فجر الإسلام : 213 - 214 ؛ وهذا النوع من دوافع الوضع يصلح وضعه هنا وفي الدوافع الانتمائية أيضاً كما تقدّم .