وترك طيب العيش واللجوء إلى الحياة الفردية .
خطورة هذه الظاهرة أننا لا نملك كشفاً دقيقاً برجالاتها ؛ لأنّ المفروض صلاحهم وتديّنهم بحسب الظاهر ، فما ذكره بعض العلماء من أنّ جهابذة أهل الحديث كشفوا هؤلاء جميعاً « 1 » ، مجرّد ادّعاء لا يمكن بهذا اليسر إثباته ، فكيف نعرف أنه لم يخف عليهم بعض الصالحين الواضعين الذين قد يكونون وضعوا بضع مئات أو آلاف من الأحاديث المبثوثة في كتب الروايات عند فرق المسلمين ؟ شخصٌ واحد له بضعة مئات من الروايات كفيل بتحقيق ذلك ، فالأولى الترفّع عن مثل هذه الادّعاءات ، وستكون لنا وقفة لاحقاً مع هذا الموضوع إن شاء الله تعالى .
وثمة نصّ خطير يُنقل عن يحيى بن سعيد القطان ، أحد أئمة الحديث والجرح والتعديل ، حيث يقول : لم نرَ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث ، أو لم نر أهل الخير . . « 2 » . إنه نصّ يستحق الوقوف عنده ملياً ؛ للتنبّه من دسّ زاهد هنا أو هناك لحديثٍ ما قد نقع فريسة له .
ه - - الأسباب الدنيوية لوضع الحديث
تتعدّد الأسباب الدنيوية لوضع الحديث ، وقد تظهر في شخص تتضح معالم رغبته في منفعة دنيوية ، وقد تظهر في آخر لا تبدو الأمور واضحة فيه .
ومن أبرز مظاهر هذا النوع من الأسباب دوافع التقرّب من السلاطين والملوك والأمراء والولاة ، للحصول على منصبٍ هنا أو آخر هنا : أو لتحصيل بعض المال والأراضي والضياع ، أو لإرضاء الحكّام لكفّ أذاهم « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر : الرعاية : 208 ؛ والخطيب ، أصول الحديث : 428 - 429 .
( 2 ) انظر : صحيح مسلم 1 : 14 - 15 ؛ وتدريب الراوي 1 : 238 .
( 3 ) انظر : تدريب الراوي 1 : 241 - 242 ؛ ومقباس الهداية 1 : 406 - 407 ؛ وفجر الإسلام : 214 .