هذا الدليل جيّد عندما يثبت الإنسان مفرداته بدقة ، لكن تظلّ فيه مسألة مهمة ، وهي أننا نتحدّث عن الكذب في العصر النبوي أو قبل الفتنة ، ولا نتحدّث في الكذابين الذين عاشوا حظاً من حياتهم في هذا العصر ؛ لأنّ هذا لا يثبت وقوع الكذب في هذا العصر ، فلعلّ الحالة الصادقة ظلّت مستقرّة ؛ لعدم وجود دوافع لخرقها ، إلا عقب أحداث الفتنة التي سقط فيها كثيرون وسلم منها كثيرون ، فهذا الدليل يحتاج إلى مزيد تعميق لكي يعطي نتائجه ، وكذلك إلى مزيد تثبت في مفرداته .
الرابع : برهان طبيعة الأشياء ، وهو ما نعتقده الدليل الأفضل ، وأنّ سائر الأدلّة المتقدمة تصلح بوصفها مؤيّدات له ، فعندما يأتي شخص يدور حوله لغطٌ كبير جداً ، ويهزّ مجتمعاً بحجم المجتمع العربي من أقصاه إلى أقصاه ، ويظهر له خصوم كثيرون بعيدون عنه ، بل وقريبون منه جغرافياً ، ويعرف ظاهرة المنافقين وضعيفي الإيمان المحيطة به . . ويهدّد وجودُه مصالحَ كثيرين من الكافرين وأهل الكتاب والمنافقين النفعيين الوصوليين . . إنّ منطق الأشياء يقول بأنّ بعض الأشخاص من الطبيعي أن يكذبوا على لسانه أو ينقلوا حدثاً حصل معه بطريقة كاذبة ، حسداً أو بغضاً أو ضغينة أو مكيدةً أو جهلًا ، هذا هو المنطق الطبيعي الذي لا يخدش بالضرورة بعدالة الصحابة ، لا سيما بالمعنى الأصولي للصحبة الذي هو المعنى الصحيح ، كما حقّقناه في محلّه .
أما الحديث عن شخص كان هذا وضعه وهؤلاء خصومه دون أن يكون بين الناس - لا سيما المنافقين - من يخطّط له ويكيد ويكذب عليه ويشوّه بطريقة أو بأخرى صورته . . . إنّ هذا الحديث ينافي قواعد الأشياء في الاجتماع البشري والصيرورة التاريخية للأمور ، فلسنا بحاجة إلى براهين تاريخية جزئية ، لا سيما عندما
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 476
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٧٦