ظهور الخطاب في التعليل يمكنه - لو تحقّقت سائر الشروط - أن يقيّد إطلاقات حرمة الكذب ، وهذا غير متحقّق هنا .
ثالثاً : قد يقال بأنّنا لو غضضنا الطرف عن ذلك كلّه ، والتزمنا باختصاص حرمة الكذب ولو على النبي بحال لزوم الضرر ، إلا أننا ندّعي تحقق الصغرى هنا ؛ لأنّ الواضع عندما يضع الحديث لا يلتفت إلى الآثار الأخرى ، ويظنّ أن الحديث سوف يترك أثراً إيجابياً فقط ، لكنه لا يلتفت إلى أنّ بعض قيود الحديث أو طريقة بيانه أو لحن خطابه سوف يواجه فقيهاً هنا أو مفسّراً هناك ، وقد يقيّد به مطلقاً هنا ويخصّص به عاماً هناك ، أو قد يشكّل أساساً لولادة مفهوم فيما بعد لم يلتفت إليه حتى الواضع نفسه ، إنّ النص النبوي حيث إنّه نصّ مقدّس سوف يكون مرجعاً لآلاف المفسّرين له عبر القرون اللاحقة ، وما دام بالإمكان جداً أن لا يلتفت الواضع إلى تمام ظهورات وتجلّيات هذا النص في عناصر الثقافة الأخرى ، فإنه سيترك أثراً هنا أو هناك ، وخصوصيّة مقام النبوة ستجعل النص عرضةً لأن يستفاد منه في مواضع متعددة بغير المفهوم الذي أراده حتى الواضع ، وهذا معناه أنّ الوضع فيه آثار سلبية كبيرة جداً على أجيال المسلمين وثقافاتهم ووعيهم وطريقة تفكيرهم .
وبهذا يظهر أنّ الدليل الأول غير تام على الترخيص .
الدليل الثاني : إنّ الأدلّة الدالّة على حرمة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله لا إطلاق فيها يشمل حالة الكذب على لسانه بدافعٍ شريف ، كحثّ الناس على فضائل الأعمال وترغيبهم في السنن والمندوبات وما شابه ذلك ، وذلك أنّ الحديث المعروف : من كذب عليّ متعمّداً . . إمّا خاص بمن كذب على النبي بمعنى اتهمه
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 448
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٤٨