تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
ويمكن تعزيز هذا التقييد في حرمة الكذب بأنّ الشريعة جوّزت الكذب لمصلحة أو للإصلاح بين المؤمنين أو لدفع الضرر عن النفس ونحو ذلك ، وهذا دليل واضح على أنّ الكذب لا يحوي قبحاً ذاتياً ، وأنّ حرمته إنما كانت بملاحظة الآثار الضررية التي تترتب عليه . ومن محاسن الصدف أنّ النصوص الناهية عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله تحتوي إشارةً إلى خصوصية الضرر اللاحق ، فإنّ الحديث المتواتر المعروف في تحريم الكذب على النبي قد جاءت في بعض صيغه عبارة إضافية ، فصار على الشكل التالي : من كذب عليّ متعمداً ليضلّ به الناس فليتبوء مقعده من النار « 1 » ، وهذه الصيغة وصف الهيثمي حالها تارةً بأنّ رجالها رجال الصحيح ، وأخرى بأنّ إسنادها حسن ، وإن كانت بعض الطرق عنده ضعيفة « 2 » . وجاءت صيغة أكثر تأييداً ، وهي التي تقول : من كذب عليّ متعمداً ؛ ليحلّ حراماً أو يحرّم حلالًا أو يضلّ الناس بغير علم فليتبوأ مقعده من النار « 3 » ، فهذه الصيغة تحدّد المسار الذي يتحرّك فيه الكذب ، ولا تطلق الحرمة أو الوعيد بالنار إلا ضمن هذا المسار من الغايات والأهداف . هذا كلّه يعني أن كبرى حرمة الكذب ودليل خصوص الكذب على النبي ليس فيهما إطلاق لحالة الكذب غير المضرّ على النبي ، من هنا يمكن الكذب لغاية نبيلة كترقيق قلوب الناس ودفعهم نحو فعل الخير ، لا سيما في قضايا الفضائل من الأعمال والمستحبات والمكروهات والأخلاق والآداب ، أو تعريف الناس بمقام
هامش
( 1 ) الهيثمي ، مجمع الزوائد 1 : 144 ، 146 . ( 2 ) المصدر نفسه ؛ وانظر : تدريب الراوي 1 : 240 . ( 3 ) الطبراني ، طرق حديث من كذب علي متعمداً : 233 .