تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
وبصرف النظر عن مدى دقّة هذه النسبة ، وهل هي صحيحة أم غير صحيحة ، وإن كانت الشواهد المتفرّقة تدفعنا إلى ترقّب دقّة هذه النسبة ؛ فإنّ الكرامية نسبوا إلى الزهد والتقوى تماماً كالزهاد والمتصوّفة ، وسوف نلاحظ - وهو أمر مترقب - كيف أن الخوف على القيم الدينية وانشغال الناس بأمور أخرى كان سبباً في وضع بعض الأحاديث لتصويب الوجهة . والذي يهمّنا هنا هو النظر في المعطيات التي يُستند إليها في تجويز الوضع ، حيث من الواضح وجود حركة تجويز في الجملة ، وأنّ هذه الحركة انطلقت من دوافع الحرص على الدين أيضاً . ومن الجليّ أنّ المجوّزين لا يقصدون مطلق الرخصة في الكذب على لسان النبي صلى الله عليه وآله ، وإنما كذب خاص أو نوع ومقدار محدّد من الكذب يخدم الأهداف النبيلة التي وضعوها ، وهذا يعني أن نظرية جواز الوضع : 1 - محدودة وغير مطلقة حتى عند أصحابها . 2 - ذات غايات ومقاصد نبيلة من وجهة نظر القائلين بها . وعلى أية حال ، فأهم الأدلّة التي ذكرت لتجويز الوضع ما يلي : الدليل الأول : وهو يقوم على إنكار كبرى إطلاق حرمة الكذب ، وذلك على أساس أنّ الكذب إنما تثبت حرمته إذا كان مضرّاً لا مطلقاً « 1 » ، وهذا ما يعني أنّ الكذب لا يحوي في ذاته العلّية التامة للقبح والحرمة ، لا على مستوى معطيات العقل العملي ولا على مستوى معطيات النصوص الشرعية ، على خلاف الظلم فإنه قبيح بذاته ، أما الكذب ففيه اقتضاء القبح أو إنه متساوي الطرفين إلى القبح وعدمه ، وإنما يكون قبيحاً بلحاظ النتائج المترتبة عليه .
هامش
( 1 ) انظر : ابن حجر ، فتح الباري 1 : 95 .