تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
النعمان ( 150 ه - ) إلى الشك في الروايات ، حتى عُرف مذهبه بقلّة الاعتماد نسبياً على الحديث الشريف ، وقد ساعد هذا الأمر - فيما يبدو - على شيوع نظرية القياس في المذهب الحنفي ، تعويضاً عن خسارة مصدر معرفي ديني هام كالسنّة الشريفة . ولم يقتصر الأمر عند هذا الحدّ ، بل قد عرف عن المعتزلة الذين هيمنوا على الثقافة الإسلامية فترةً من الزمن ، أنهم كانا شديدي التحفّظ من المرويات ، ولهذا قلّما نجد عندهم حضوراً للحديث النبوي ، وليس هذا إنكاراً منهم لحجية السنّة كما تصوّره بعض الباحثين ، بقدر ما هو انعدام لحالة الوثوق بالروايات ، نظراً لشيوع ظاهرة الكذب والتقوّل . وحتى لو لم يتخذ الفقيه أو المحدّث أو العالم المسلم موقفاً متشدّداً من الحديث كحال بعض المعتزلة ، إلا أنّ حركة الوضع والدس لا شك فرضت على العلماء المسلمين بمذاهبهم أن يضاعفوا الجهود النقدية لتصفية الأحاديث من المكذوبات ، والمعايير التي وضعها العلماء - مهما كانت قوية - لا تستطيع أن تطيح بالأحاديث الضعيفة فقط وتحتفظ بالأحاديث التي صدرت حقّاً عن النبي صلى الله عليه وآله ؛ لكثرة الملابسات ، وهنا من الطبيعي أن تطيح جهود العلماء ببعض الروايات الصحيحة ، فإنّ عدم صحّة المتن عندك لا يعني بالضرورة عدم صحته واقعاً ، وعدم صحّة السند للإرسال أو جهالة أحد الرواة مثلًا لا يعني كذب رواة السند وعدم صدور الرواية ، وهذا معناه أنّ حركة الوضع فرضت جملة معايير نقدية أطاحت ببعض نصوص السنّة الواقعية ، وربما حلّ محلّها نصوص اعتبرت حجّةً لكنها لم تصدر واقعاً ، الأمر الذي يضعف السنّة الشريفة ويفقدها قدرة الحضور المناسب في المجتمع الإسلامي .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 437 | حيدر حب الله