فالتأويل الصوفي لا ينطلق من العقل ؛ لأنّ ما يتحدث عنه الصوفي طور فوق طور العقل ، ولا ينبعث من الواقع ؛ لأنّ الصوفي لا يرى فيما نسميه نحن واقع الحياة سوى شكلًا بسيطاً سطحياً من حقيقة الوجود ، أي تلك الرتبة الأقلّ نوريّةً وإضاءة ، وإنّما يتفجّر التأويل الصوفي من العلم الحضوري اللدني الشهودي الذي يبلغ أعلى المراتب ، لينزل بعدها إلى النص المدوّن بين أيدينا ، لا ليفسّر الألفاظ عبر نظام اللغة ، بل ليسقط عليها ما تختزنه من كثرات ، رُمّزت فيها ترميزاً ، وسبّبتها الرحلة الطويلة للنص من مصدره - أي الله - مروراً بسلسلة العوالم الطويلة ، وصولًا إلى ما بين أيدينا اليوم ، فلا يسمح لنا العارف بمحاكمته عبر نهج اللغة السائد ، إنّه يفرّغ ذلك كلّه من مضمونه ، ويطالبنا بالعروج معه لقراءة نسخة أكثر أصالة للنصّ القرآني في عالمٍ آخر . نعم ، يسعى المتأخرون من العرفاء بالخصوص للحفاظ على الظاهر وعدم هدره ، ويصرّون على أنّهم لا يكسرونه بل يسيرون منه ويتخطّونه « 1 » .
لست أريد هنا الدخول في محاكمة هذا النهج من التفكير ، والذي يقوم على نظرية التجلّي التي طرحها ابن عربي ، وقد سبق أن تعرّضت للنهج العرفاني في المعرفة ، وأثرت بعض الملاحظات عليه « 2 » ، لكن أكتفي أمام هذه الصورة بعدم إنكارها ، فهذا أمر مهم ، كما يقول الإمام الخميني ، وأعلّق عليها بما علّق به السيد محمد باقر الصدر على بعض المقولات الصوفية في مسألة الطلب والإرادة في
هامش
( 1 ) انظر حول نظرية العرفاء : الغزالي ، إحياء علوم الدين 1 : 358 - 359 ؛ والشيرازي ، تفسير القرآن الكريم 6 : 22 - 23 ، و 7 : 107 ؛ والطباطبائي ، الميزان 3 : 53 - 54 ؛ والخميني ، شرح دعاء السحر : 37 - 38 ؛ وتفسير سورة الحمد : 136 ، 139 - 140 .
( 2 ) حيدر حب الله ، مسألة المنهج في الفكر الديني وقفات وملاحظات : 190 - 210 .