بل على أساس أن باطن كل شيء هو حقيقته ، فالباطن ليس باطناً دلاليّاً حتى أعبر إليه عبر الألفاظ ، وإنما هو باطن وجودي لا أبلغه إلا عبر الغوص في رتب الوجود للوصول إلى تلك الرتبة التي يستقرّ فيها الباطن القرآني ؛ لأنّ القرآن حقيقة مجرّدة متعالية ترجع إلى الذات الإلهية ، وتنزُّلها وتجلّيها في عوالم الوجود يأخذ أشكالًا تتناسب مع تلك الرتب الوجودية ، إلى أن يبلغ هذا الكتاب عالمَنا المادي فيظهر على شكل ألفاظ ومصحف وكلمات ، فالظاهر شكل من أشكال الباطن ومظهر من مظاهره ، فلا معنى لترك الظاهر لصالح الباطن ولا لترك الباطن لصالح الظاهر ، لأنّهما وجهان لعملة واحدة ، لهذا لم يعتقد كثير من العرفاء بأن الوصول إلى الباطن يكون بالغوص في دلالات الألفاظ ، لأنّهم شادوا معادلة بالغة التعقيد تقول : ليست الألفاظ سبيلًا لفهم مراد المتكلّم ، بل العكس هو الصحيح ؛ فإنّ فهم مراد المتكلّم هو السبيل لفهم كلامه ، وهذا الفهم للمراد عندهم لا يكون سوى بالتعالي في مدارج السير والسلوك للبلوغ للمتكلم نفسه ، من هنا طالب بعضهم بأن نسمع القرآن من الله وليس من النبي ، أي نأخذ الحقيقة الوجودية التي أخذها النبي لا التي أعطانا إيّاها .
ولكي يحرّر الصوفي نفسه من المساءلة عن الدلالات العرفية العادية للنصوص ، تحدّث عن لامعيارية الفهم العربي من حيث الحدّ الأعلى ، أي إنّه قال : إنّ فهم العرب - بمن فيهم الصحابة وأصحاب الأئمة - لا يجوز التوصل إلى نقيضه ، لكنّه ليس الفهم النهائي ، فيمكن لنا تفسير النصوص حتى بطريقة لم تكن تخطر على ذهن عربيّ قط ، كما هي طريقة ابن عربي وحيدر الآملي وغيرهما ، هذا هو المنفذ لتكثير الدلالات وكسر قيود اللغة ، وهذا هو بعينه التخطّي عن الألفاظ دون مخاصمتها .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 416
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤١٦