أكثر من معنى دفعة واحدة ، بحيث كانت بعض المعاني أقرب إلى العقل العام من بعضها الآخر ، فكلمة ( طعام ) استعملت في الأكل المادي ، واستعملت في الوقت عينه في العلم ، لكنّ أحد المعاني المستعمل فيها اللفظ كان أقرب إلى ذهن العرف من غيره فتصوّره ولم يلتفت إلى الآخر فسمّي الأول ظاهراً ، وسمّي الثاني باطناً .
هذه الفرضية محتملة أيضاً ، إلا على تقدير القول بثبوت النظرية القائلة باستحالة استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى ، كما ذهب إلى ذلك جمع من علماء أصول الفقه ؛ فإنّه مع هذه النظرية تصبح نظرية البطون نظرية مستحيلة ، أما إذا قلنا بإمكان استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، غايته أنه خلاف الظاهر من الكلام أو قليل التحقّق ، فإنّ روايات البطون كأنها تريد أن تعلن أنّ القرآن جاء على نظام غير متداول كثيراً في اللغة العقلائية ، الأمر الذي يفرض تلقائياً أن يكون النظام اللغوي القرآني عرفياً وما فوق عرفي معاً .
وقد علّق العلامة فضل الله على نظرية استعمال اللفظ في أكثر من معنى وارتباطها ببطون القرآن بالقول : إنّ تعدّد المعنى في الاستعمال الواحد ليس مألوفاً في الطريقة العامّة للكلام ؛ لأنّه لا ينسجم مع أسلوب التفاهم ، حتى في الكلمات المشتركة بين أكثر من معنى ؛ لأنّ الوضع للمعاني المتعدّدة لا يفرض استعمالها ، بل يعني حاجة كلّ واحد منها في إرادته من اللفظ إلى قرينة حالية أو مقالية ، وإذا كان الناس يتحدّثون عن المجمل ، فإنّه يوحي بالإجمال في معرفة المعنى المراد من اللفظ مع احتماله بين أكثر من معنى ، ولذلك فإنّ المسألة ليست مسألة الإمكان والاستحالة من حيث الذات ، بل هي مسألة المنهل الفني في استعمال الكلام في التفهيم لدى العرب ، فلو أريد هذا اللون من التعدّد من الكلام لكان بعيداً عن
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 413
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤١٣