الدراسات الأخيرة ، إنّ العارف هنا أو الصوفي لا يبحث عن المراد الجدّي الذي قصده المؤلّف ، إنما يعتبر النص بمثابة مثير لحالته الروحية ومعين لتكوينها ، فيقوم بالربط بين النصّ والصورة ، لا لأنّ النص يحكي عن الصورة ، بل لأنّ النص يسبّب تكوّنها ، فهنا يحصل تداعي فالنص يحرك الصورة لتتكوّن وتتداعى أجزاؤها إلى ذهن القارئ ، ولا يقوم بالحكاية عنها ، وهذا تماماً ما تقوله نظرية موت المؤلف ، أو نظرية الأنا والمتن ، طرفان يشكلان البداية والنهاية ، فلا يكون المتن وسيلة لشيء أو جسراً ، وإنما كينونة قائمة بنفسها .
ومن الممكن جداً أن تكون كلّ أو أكثر التفاسير الباطنيّة والصوفية قائمة على هذا ، وإن أوحت كلماتهم أنهم يريدون نسبة المعنى للقرآن أو للنصّ الديني .
2 - الاتجاه الرمزي الحديث ، ويقوده اليوم في العالم الإسلامي مجموعة من المفكّرين من أمثال الدكتور محمد أركون ، فهذا الاتجاه يطلّ أيضاً على هذا المعنى الجديد ، حيث إنه ينظر للقرآن ونصوصه على أنه إشارات أو محفّزات أو علامات لكي يذهب القارئ خلفها ، لا تريد الآيات الحكاية فقط ، بل تريد التحريك أو الإشارة لكي نذهب نحن خلف النص ونحلّق لوحدنا أو نوظف لوحدنا أن نفتش لوحدنا عن فكرة ما ، فهو فقط يضيء ونحن نذهب ونرى ، هو لا يقول لنا ، هو فقط يرمي بإشارات ضوئية ونحن ننظر ونكتشف .
وعلى أية حال ، فهذه الفرضية في تفسير البطون أيضاً محتملة ؛ وتفيد أنّ في القرآن بُنيةً لغوية عقلائية عرفية ، وفي الوقت عينه نظام إشاري رمزي ، ويبقى فقط إثبات هذه الفرضية ، وإثبات أنّ المراد بالبطون هو ذلك بعينه ، حيث لم تقدّم أيّ معطيات على هذا الأمر ، والأدلّة السابقة - العقلانية والنقلية - لا تفصح بوضوح وتعيُّن عن
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 409
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٠٩