تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
بالباطن أي بالنزول الثاني للقرآن ، وقد ورد في بعض الآيات والسور أنها نزلت أكثر من مرة ، مثل ما قيل عن سورة الحمد . لكنّ هذا التفسير يعاني من مشاكل - فضلًا عن عدم وجود دليل عليه - ، وذلك : أولًا : إذا أريد أنّ القرآن نزل على مرأى المسلمين مرات عديدة ، وأخذنا برواية الباطن أو السبعة والسبعين ، فهذا معناه أنّ كل آية نزلت سبعين مرة أو سبع مرات أو مرتين ، وهذا لو وقع لتداولته كتب التاريخ والقرآنيات ، ولكان لنزوله المكرّر صدى ليكوّن ظاهرةً في النزول القرآني ، فيما لا عين ولا أثر لذلك كلّه ، سوى في بعض الحالات المحدودة جداً والتي يدلّ نقلها بخصوصها على كونها استثناءً وليست قاعدة ، وذلك مثل سورة الحمد لو تمت الرواية في نزولها مكيةً ومدنية ، وعليه فالتاريخ ينفي هذا الافتراض ، إلا إذا جعلت القراءات السبع دليلًا ، لكنّ إثبات النزول سبع مرات ، أو صدور الآيات من النبيّ سبع مرات على سبع قراءات غير صحيح ، وتفصيله في محلّه . ثانياً : لو قصد بكلّ نزول معنى ظاهر ، لكانت كل المعاني ظاهرة ، فلماذا عبّر بالظاهر والباطن في الأحاديث ؟ إلا أن يقال : إنه نزل وقصد باطنه في المرّة الثانية وإن توهموا أنّ المراد ظاهره الأوّل ، وهذا أيضاً تحكّم وتكلّف ظاهر ، فضلًا عن أنّه لا يبيّن لنا طبيعة العلاقة بين النص والمعنى الباطن المقصود في النزول الثاني . ثالثاً : إذا قصد أنه نزل مرة واحدة على الملأ ، وفي بقية المرات نزل على النبي لوحده ، دون أن ينقله النبي مرّةً ثانية للناس ؛ فلا أدري ما الفائدة من ذلك ؟ ! فلينطق به الله تعالى في عرشه ألف مرّة ، ثم لينزله مرّةً واحدة ، وينبئ النبي أنّ هذا النص أردت منه كذا وكذا بلا حاجة لتعدّد النزول ؛ وعليه فهذه الفرضية في غاية الضعف .