البطون هو المصاديق المتعدّدة للفظ الواحد ، بحيث يكون وضوح انتساب بعض المصاديق إلى اللفظ أشدّ من سائرها فيصحّ لأجل ذلك إطلاق الظاهر والباطن عليه ، تبعاً لدرجة الظهور والخفاء في الالتحاق بالعنوان الكلي الموجود في اللفظ ، من هنا قد لا يفهم البطون كلّها إلا الأنبياء والأوصياء ؛ لأنّ عقولهم تستطيع الانتباه إلى المصاديق الخفية ، وإلا فالمعنى واحد من اللفظ « 1 » .
وهذا التفسير الذي تلوح بذوره مما نسب إلى الصحابي عبد الله بن مسعود وغيره « 2 » ، تدعمه - كما قلنا سابقاً - مثل رواية حمران بن أعين ومعتبرة الفضيل بن يسار ، حيث دلّتا على ذلك ، ويصحّ وفق هذا التفسير اعتبار المصداق باطناً ؛ لأنّ تطبيق الآية على هذا المورد أو ذاك يظلّ - أحياناً - غير واضح ويسير ، تماماً كما هي المهمّات التي يقوم بها المفسرون والفقهاء أحياناً ، فيصح إطلاق الظاهر والباطن بملاحظة انطباق الآيات على الموارد والحالات المتجدّدة الحادثة والمصاديق المتنوّعة الطارئة ، وهذا هو أحد معاني ( التأويل ) المطروحة في الاستخدام القرآني لهذه الكلمة .
فهذا التفسير محتمل جداً وقريب ، وتبعاً لذلك لا يمانع هذا التفسير للبطون عن مرجعية الفهم العرفي العقلائي ؛ لأنه لا يبتكر مرجعيةً بديلة لفهم النصّ القرآني ، وإنما يعتبر فهم النص مرحلة مسبقة على مرحلة اكتشاف البطون ، لها مرجعيّتها المستقلّة ؛ لأنّ اكتشاف انطباق الكلّي والعام على المصداق والخاص ، ليس من شؤون تفسير النص بل من شؤون تطبيقه .
هامش
( 1 ) انظر : الإيرواني ، نهاية النهاية 1 : 60 - 61 ؛ والعراقي ، نهاية الأفكار 1 - 2 : 117 - 118 .
( 2 ) انظر : التبيان 1 : 9 ؛ والبرهان 2 : 169 ؛ والسيوطي ، الإتقان 2 : 486 .