والجواب عن هذا الكلام هو بما عالجناه مفصّلًا في مباحث حجية السنّة ، عند الحديث عن نظرية كفاية القرآن وغيرها ، وقد بينّا أنّ الكلية هنا إنما هي بملاحظة طبيعة الكتاب ، وأنه كتاب هداية ورشاد ديني ، لا مطلقاً ، كما أنّها - من جهة أخرى - لا تستدعي الكلية المنطقية بالضرورة ، وقد بحثنا ذلك مفصّلًا هناك فلا نعيد « 1 » .
إلى جانب ذلك ، قد يستدلّ بما جاء في القرآن الكريم من أمر التأويل وأنّه لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم ، قال تعالى :
( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ )
( آل عمران : 7 ) ، فإنّ هذه الآية تفرض للقرآن تأويلًا ، والتأويل هو اختراق الظاهر القرآني إلى ما هو أعمق ، فيثبت بذلك وجود بطون للكتاب العزيز .
لكنّ هذا الكلام فيه مجال طويل للنقاش يحال إلى الأبحاث القرآنيّة ؛ فإنّ التأويل لا يمثل مفهوماً ملاصقاً لفكرة البطون ، بل قد يراد منه - كما هي نظرية بعض العلماء - المصاديق التي تكون للآيات ، وليس في كلمة التأويل ، لغةً وعرفاً ، دلالة على فرضية الغوص في المعاني ، فهذا من المصطلحات الحادثة بعد عصر النزول ، وتفصيله في محلّه .
2 - المستند الحديثي لنظرية البطون القرآنية
ويظلّ المستند الحديثي من أهم المستندات هنا ، بعد أن كانت فكرة المحكم
هامش
( 1 ) انظر : حيدر حب الله ، حجية السنّة في الفكر الإسلامي ، قراءة وتقويم : 246 - 248 ، مؤسّسة الانتشار العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 2010 م .