الطبقات التي تتلو كل طبقة منها أخرى مثلَها تقع تحتها وتستتر بها وهكذا ، ولهذا وجدنا أن البشر بمرور الزمن كانوا يستخرجون مفاهيم ومعاني من النصوص تبعاً لتطوّر وعيهم ، فهذا يؤكّد أن نظام النص الديني المقدّس هو نظام تراكبي مفتوحة دلالاته فوق بعضها بعضاً ، وهذه هي نظرية البطون في الموروث الإسلامي .
وهذا الكلام لا يخلو من التباس وقد عالجناه في موضعه ، فإنّ استدامة نصّ في إعطاء معاني أو البقاء حياً غضاً بمرور الأيام أمرٌ رهين بسلسلة متشابكة من العناصر ، وليس فقط لفرضية وجود بطون له . كما أنّ تعدّد قراءات البشر للنصوص الدينية ربما يفسّر بأنه إسقاطات المعتقدين بهذا النص لحاجاتهم وثقافاتهم عليه ؛ فالتجربة التاريخية كما تحمل تعدّداً طولياً في المعاني المستخرجة من النصوص كذلك تحمل تعدّداً عرضياً ، وإذا كان التعدّد العرضي يستبطن خطأ بعض الاستنتاجات ، فبالإمكان أن يكون التعدد الطولي قد ابتلى أيضاً بذلك ، فالتجربة التاريخية لا تدلّ على صحّة الاستنتاجات وإنّما على شرعية تعدّدها من حيث المبدأ .
نعم ، عندما يلاحظ المفسّر القرآني في سياق قناعاته - وهو يدخل أعماق العملية التفسيرية ولا ينظر من الخارج كما فعلنا قبل قليل - ويجد كم أنّ هناك من معاني كثيرة صحيحة من وجهة نظره لم يتمّ الالتفات إليها إلا بتطوّر العلوم البشريّة ، الشاملة للعلوم الدينية والطبيعية والإنسانية ، فهذا يؤكّد له أنّ القرآن الكريم له بطون ، أي جوانب لا تظهر بسرعة ، بل تحتاج إلى تأمّل وحفر وتنقيب كي تبين .
وهذا الذي قلناه يجري على التجربة الشخصيّة العرفانية في فهم القرآن أيضاً ، وفقاً لما سوف نشير إليه لاحقاً بعون الله .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 371
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٧١