3 - البناء البلاغي للنص القرآني ، والانفتاح على مفهوم البطون
من المعروف بناء النص القرآني على نظم المجاز والاستعارة والتمثيل والقصص والتشبيه والكناية وغير ذلك من فنون البلاغة ، وهو بناء يختلف تماماً عن بناء الكتب العلمية العادية الواضحة التي تستنفد دلالتها بعد فترة وجيزة ، وهذا البناء اللغوي يفتح النصّ القرآني على دلالات ومعاني مستمرّة عبر الزمن تتبع تطوّر الوعي الإنساني ، وهو ما نسمّيه بالبطون .
وهذا الدليل صحيح من حيث كونه يوفّر المناخ لفرضيّة البطون ؛ لأنّ اللغة البلاغية التي تنشط فيها حركة الخيال تقدر أكثر من غيرها على احتواء مدلولات سطحية ظاهرة وأخرى باطنية عميقة ، فهذا الكلام من أهمّ الأدلّة العقلانيّة على فكرة البطون بهذا المعنى ، لكنّه ينتج معنى خاصّاً لنظرية البطون القرآنية ، سوف نتوصّل إليه بمعونة عناصر أخرى نهاية هذا البحث بإذن الله سبحانه .
4 - ثنائي المحكم والمتشابه ، وتكوين مقولة البطون القرآنية
قد يستند هنا لقانون المحكم والمتشابه الوارد في القرآن الكريم ، على أساس أنّ المتشابه هو المفتوح الدلالة الحاوي للبطون ، ووجود المتشابه في القرآن الكريم مما لا نقاش فيه .
لكنّ الجواب عن هذا الكلام واضح ؛ لأنّ المتشابه لا يعبّر عن ذلك ، لا لغة ولا عرفاً ولا ضرورة ، وإنما المتشابه هو الذي يحتمل بعض المعاني غير المرادة ، لا أنه هو الذي يحوي عدّة معاني مرادة ، ولعلّ ما أوجب هنا الالتباس هو أنّ المتشابه ينفتح على تعدّد في الوجوه والاحتمالات مما حمل تصوّراً بأنّ هذا التعدّد يفترض أن يحمل معه مفاهيم واضحة ومفاهيم باطنة ، مع أنّ مقولة التشابه بدلالاتها اللغوية لا