القرآنية ؛ وذلك أنّه إذا بنينا على أنّ القرآن معجزةٌ في بيانه ، فهذا معناه أنه يحتوي علوماً كثيرة استبطنت في نصوص مختصرة ، ولا يمكن ذلك إلا بوجود بطون لهذه النصوص تقدر على حمل هذه المعاني الكثيرة ، ليتحقّق الإعجاز القرآني . وهذا معناه من ناحية أخرى أنّه عندما يكون النص معجزاً يظلّ مفتوحاً على قدرة تحمّل أكبر من النصوص الطبيعية ؛ لهذا يستدعي الإعجاز نفسه استبطانَ النص لما يفوق قدرة تحمّله العادية ، ومن ثمّ لا يمكن تحقّق ذلك إلا بفرض البطون ؛ لأنّ الظهورات لا تستطيع محاكاة هذا الوضع .
لكنّ هذا الكلام غير صحيح ؛ لأنّ الإعجاز اللفظي لا يساوي - بالضرورة - كثرة المعاني حتى يفرض للنصّ ظاهرٌ وباطن ، بل يمكن أن يكون التركيب اللفظي استثنائياً مع كون المعاني محدودة وظاهرة ، ولا برهان على عكس ذلك ولا تلازم عليه ، وإلا فليبرز ذلك بدليل ، لا بمجرد افتراض الإعجاز . هذا لو غضضنا الطرف عن دعوى من يرى أنّ الإعجاز القرآني ليس لفظياً .
2 - ديمومة الاستنباط من القرآن الكريم ، مؤشرات نظرية البطون
الدليل الثاني الذي يمكن تقديمه هنا هو أنّ القرآن الكريم ما يزال يُقرأ عبر العصور المختلفة ويظلّ غضاً طرياً تستفيد منه الأجيال ، وكلّما قرأه المفسّرون والعلماء ازدادوا منه علماً ومعرفة ، فهو معين لا ينضب ، ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة إلا بفرض بطونٍ له قادرة على حمل هذا المعنى المستديم .
هذا يعني أنّنا نستند إلى التجربة البشرية في قراءة النص الديني ؛ فهذه التجربة التاريخية عبر آلاف السنين أكّدت وتؤكّد أنّ النصّ الديني مفتوح على الدوام لتطوّر في القراءة ، وأنّ نظامه يشبه نظام الدوائر التي تستوعب الأولى الثانية أو نظام