الملاحظة الرابعة : تؤكّد الشواهد التاريخية أنّ العديد من الصحابة والشخصيات الإسلامية الكبيرة في الأمة كانت وجهة نظرها أن لا يخرج الحسين إلى العراق ، فقد نبّهه إلى ذلك مثل عبد الله بن عباس ، والمسور بن مخرمة ، وعبد الله بن جعفر ، وأبي بكر المخزومي ، وعبد الله بن جعدة ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وعبد الله بن مطيع ، وعمرو بن سعيد ، ومحمد بن الحنفية ، وعبد الله بن عمر ، وأم سلمة ، وعبد الله بن الزبير وغيرهم ، بصرف النظر عن نواياهم في مقولاتهم ، وكثير منهم صادق « 1 » ؛ فهل يمكن أن نفترض - كما قيل « 2 » - أنّ الإمام أخطأ في قراءته السياسية والميدانية للواقع ، فيما أصاب مثل هؤلاء ، وهو الأعلم منهم والأخبر والمؤيّد من الله تعالى ؟ !
ومن الواضح أنّ هذا الاستدلال أيديولوجي قائم على العقيدة المذهبية ، ولا يمكن للمؤرخ أن يقبل به إلا بعد الاعتقاد بالمذهب الإمامي ، على خلاف بعض ما تقدّم من مناقشات ، ولهذا استند بعض الكتّاب العرب والمستشرقين إلى مثل هذه القضية كي يفترضوا أنّ الحنكة السياسية للإمام الحسين لم تكن بالمستوى المطلوب ، وأنّ هناك من كان أكثر وعياً للسياسة والأوضاع منه .
لكن - مع ذلك - لنضع أنفسنا مكان الإمام الحسين ، شخصٌ تأتيه رسائل كثيرة من أهل الكوفة منذ زمن معاوية « 3 » ، ويرفضها نظراً لعقد الصلح مع معاوية - كما
هامش
( 1 ) انظر المواقف كما جمعها مثل الذهبي ، سير أعلام النبلاء 3 : 292 - 298 ؛ وباقر شريف القرشي ، حياة الإمام الحسين 3 : 23 - 38 ؛ ومحمد جواد الطبسي ، مع الركب الحسيني . . وقائع الطريق من مكة إلى كربلاء 3 : 175 وما بعدها ؛ وعلي الشاوي ، الإمام الحسين في المدينة المنوّرة 1 : 411 وما بعدها .
( 2 ) الحكيم ، ثورة الحسين : 21 - 22 ؛ ومحمد الصدر ، أضواء على ثورة الحسين : 75 .
( 3 ) انظر : الفتال النيسابوري ، روضة الواعظين : 171 ؛ وابن عساكر ، تاريخ مدينة دمشق 14 : 205 ؛ والمزي ، تهذيب الكمال 6 : 412 - 413 ؛ وسير أعلام النبلاء 3 : 293 - 294 ؛ والبداية