قد فات الأوان ولو أنه علم من حال رسله غدرهم قبل تحرّكه ما كان خرج من مكّة نحوهم ، ولهذا ورد في بعض الروايات السابقة أنه طلب من جند يزيد أن يتركوه وشأنه فيذهب في ديار الله الواسعة ؛ لكنهم رفضوا وأصرّوا على مقاتلته كما أوحت بعض النصوص المتقدّمة ، هذا كلّه مع عدم القول - كما ذكره المرتضى والمفيد - أنّه لا دليل من عقل ولا نقل على علم الحسين بغدر أهل الكوفة له « 1 » ، وعدم القول أيضاً بما قاله الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ، من تعرّض البداء لعلمهم لهذا كانوا دائماً يحتملون عروضه « 2 » .
وجملة القول : إنّ من الصعب وفق معطيات هذه الملاحظة أن يحصل لنا تأكد من أن هذه الثورة كانت محكومةً بالفشل سابقاً ، فكل ثورة فيها احتمال الفشل . وسيأتي - إن شاء الله - ما يتصل بغير فقرة من فقرات هذه الملاحظة .
الملاحظة الثانية : إنّ الشواهد التي يذكرها أنصار النظرية السياسية ليست دقيقة ؛ فإخراج الحسين عليه السلام أهله وعياله وأطفاله لا يصحّ تفسيره إلّا لأجل علمه بحصول فاجعة يراد لها أن تضاعف حجم المأساة بغية إحياء ضمير الأمة ، وإلا فلماذا يخرج قائد ثوري بأهله وأطفاله وهو ذاهب إلى الثورة ؟ !
يُضاف إلى ذلك أنّ الحسين علم في الطريق بمقتل مسلم بن عقيل وغدر أهل الكوفة ، كما أخبره الفرزدق في الطريق بأن « قلوبهم معك وسيوفهم عليك » ، بل إن بعض النصوص تفيد بأنّ الحسين يصرّح بأنّ القوم لن يتركوه إلا بعد أن يستخرجوا هذه العلقة من جوفه كما تقدّم ذكرها ، كناية عن قتله ، مما يعني إدراكه
هامش
( 1 ) راجع : الطوسي ، تلخيص الشافي 4 : 183 - 185 ؛ والمفيد ، المسائل العكبرية : 71 .
( 2 ) محمد حسين آل كاشف الغطاء ، جنة المأوى : 189 - 190 .