الجامع بين هذه المعطيات عن حياة النبي والإمام وبين ما ثبت في علم الكلام من العلوم اللدنية الكثيرة التي عنده .
والذي نقوله هنا : إنّ بالإمكان رفع التناقض بين علم الإمام وبين هذه النظرية السياسية في تفسير الثورة طبقاً للمنهج عينه الذي يسير عليه كثير من أنصار هذه النظرية أنفسهم ، فالإمام وإن علم بشهادته وما سيحلّ به وبأهل بيته ، إلا أنه كان مكلّفاً على مستوى الظاهر بالتعاطي الظاهري مع الأمور ، فعندما تصله آلاف الرسائل من الكوفة - بل ومن غيرها أيضاً - تعلن الاستعداد للجهاد ، فإنّ التعاطي الطبيعي حينئذ أن يستجيب لها انطلاقاً من الموقف الشرعي في هذا المجال ، متجاهلًا علمه اللدني بخذلانهم فهو يتعامل مع الظاهر ، ومتجاهلًا علمه اللدني بشهادته ؛ لأنه أيضاً يتعامل مع الظاهر ، فالنظرية السياسية المذكورة تعدّ تفسيراً ظاهرياً للثورة بهذا المعنى ، دون أن تضطرّ إلى إنكار علم الإمام اللدني ، وعبر ذلك يمكن الجمع بين المعتقد الشيعي في علم الإمام من جهة وبين التفسير السياسي الذي قد يخرج به الباحث في تحليله لأحداث هذه الثورة من جهة ثانية .
وبعبارة جامعة : أيّ جواب يجيب به القائلون بعلم الإمام هناك يمكن لأنصار النظرية السياسية أن يجيبوه هنا ، فالمشكلة الكلامية قابلة للحلّ ، بلا حاجة لا إلى إنكار أصل المعتقد الكلامي ولا إلى إنكار النظرية السياسية المذكورة هنا .
والملفت أنّني وجدت من أثار فكرة وجود تكليفين للإمام هنا ؛ أحدهما ظاهري والآخر باطني ، ومنهم الشيخ جعفر التستري ( 1303 ه - ) والسيد محمد صادق الصدر ( 1999 م ) « 1 » ، وإن لم يكن قصدهما الشكل الذي ذكرناه تماماً .
هامش
( 1 ) راجع : جعفر التستري ، الخصائص الحسينية : 43 - 46 ؛ والصدر ، أضواء على ثورة الحسين : 38 .