وحيث قد ثبتت هذه النظرية الكلامية بالأدلّة العقلية والسمعية القاطعة فلا مفرّ من إبطال هذا التفسير ، كونه لا يصمد في وجهها .
وهذه المشكلة التي تمثل واحدة من أعقد المشكلات عند ناقضي النظرية السياسية ، لا مجال لبحث أصلها - أي علم المعصوم - هنا ، لكن مع القول بأن علم المعصوم كذلك ، وليس بعزيز على الله « 1 » ، ثمة جواب يقدّمه أنصار هذه النظرية عادةً - أي نظرية علم المعصوم - لدى إيراد بعض الإشكالات عليهم ، ويمكن لهذا الجواب أن يجري هنا أيضاً لصالح النظرية السياسية ؛ فنظرية العلم الوسيع للإمام عليه السلام تواجه عادةً بأسئلة حرجة ، مثل كيف يقضي الرسول والأئمة بين الناس بالأيمان والبيّنات الظنية ولديهم العلم بالواقع ؟ أليس في ذلك ظلم وإجحاف في بعض الحالات حيث لا يصيب حكم القاضي الواقع ؟ كيف نفسّر الكثير من الروايات التي يفيد ظاهرها جهل الإمام بشيءٍ ما ، كما في أكله عليه السلام لطعامٍ من مال غير شرعي ، ثم لما أخبروه دعا بطشت فقاء الطعام فيه ، أو بحثه عن شيء لا يعرف أين هو وما شابه ذلك . . ؟
وقد ردّ أنصار نظرية العلم اللدني المطلق هنا بجواب حاصله : إن الإمام عليه السلام يعلم الواقع لكنّه مكلّفٌ بالظاهر ، أي أنه وإن علم بواقع الحال غير أنه في مقام العمل الخارجي يتعاطى على أنه إنسان طبيعي ، يعمل بالطرق الطبيعية في الوصول إلى الواقع والحقيقة ؛ ولهذا يقضي بالأيمان والبيّنات رغم علمه اللدني بأنّها هنا أو هناك لا تطابق الواقع ، ومهما كان السبب في فعله هذا ، إلا أنه هو التفسير الطبيعي
هامش
( 1 ) انظر في الخلاف حول هذا الموضوع - على سبيل المثال - : الشيخ المفيد في المسائل العكبرية : 69 - 70 ؛ حيث نفى العلم المطلق للإمام حتى أنّه قال بأنه يعلم ما يكون من مقتله دون أن يعلم التفاصيل ؛ والطوسي ، تلخيص الشافي 4 : 189 - 190 .