تسجيل بعض الملاحظات عليها ؛ وذلك :
أولًا : إنّ الحسين عليه السلام كانت وصلته رسائل أهل الكوفة في مكّة ، وقد أعطاهم كلمته وأرسل إليهم مسلم بن عقيل ، فخروجه من مكّة جاء عقب شروعه في التخطيط والتواصل لحركة سياسية ثورية واضحة ، وهذا لا ينافي أنّه خرج منها نتيجة علمه بمخطّط تقوم به السلطة لاغتياله ، بمعنى أن الاستعجال في الخروج كان اضطرارياً نتيجة خوف الاغتيال ، لا أصل الخروج ، بعد أن كانت الرسائل قد بدأت بينه وبين أهل العراق ، وهذه نقطة مهمة جداً في مسألة طبيعة خروج الحسين من مكّة وعدم إكماله الحج . نعم خروجه من المدينة لا توجد مؤشرات على كونه قد سبقه تخطيطٌ ما لثورة في مكان ما من جغرافيا العالم الإسلامي ؛ لأنّه حصل بسرعة فائقة كما رأينا .
ثانياً : كل الشواهد التي تتعلّق - فقط - بمعلومات عن خطّة للسلطة لاغتيال الحسين أينما كان ، لا تقف في مواجهة وجود مشروع سياسي ما له عليه السلام ، على الأقلّ في بعض الفترات ، وأعني بذلك أن نتصوّر الحسين يعلم بمخطّط السلطة الأموية في اغتياله ، ثمّ يفسح له في المجال لقيادة ثورة ، فيقدم على فعل ذلك بعد وصول الرسائل إليه والاطمئنان على الوضع من خلال ما بعثه له مسلم بن عقيل ، هنا لماذا لا يمكن الجمع بين علمه بخطّة الاغتيال وإقدامه - ولو فيما بعد - على مشروع ثوري ؟ ! لست أرى تنافياً بين الأمرين ، وهذا ما يدعم فرضية أنّ الفرار من البيعة فكرة صحيحة إلى ما قبل وصول رسائل أهل الكوفة ، أي بعد خروجه من المدينة ، فالخروج من المدينة لم يكن لوجود مخطّط ثوري ، لكن لماذا لا يكون الخروج من مكّة لوجود هذا المخطط ؟ ! فهذه الشواهد لا تنفي أصل المشروع السياسي الثوري للحسين ، وإذا تمّت فهي تنفي هذا المشروع في بدايات خروجه من المدينة المنوّرة .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 334
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٣٤