تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
فمن حقّ الناقد المجدّد بل من واجبه المطالبة بالتغيير ، لأنّ التغيير والتجديد تصفية للدين من جهة ، وهذه وظيفة دينية ، وتكيّف مع الواقع الذي لا يحظره الدين بل يعبر عن تقدّم الإنسانية من جهة ثانية . مثال آخر على هذه القضية ، مسألة الحشمة والستر للمرأة ؛ فالإسلام دعا للستر والحشمة والعفاف ، لكنّه لم يحدّد لنا شكل اللباس الذي يفترض بالمرأة أن ترتديه ، وإنّما ترك هذه القضية لعادات وتقاليد الشعوب في لباسها ، والذي يحصل أنّ بعضنا يستأنس ببعض أشكال اللباس لأنّه اعتاد عليها في ثقافته الاجتماعية ، فيقوم بربطها بالمفهوم الديني ، ويتعامل مع من لا يأخذ بفكرته تعامله مع من يواجه المفهوم الديني في قضايا الحشمة والعفاف ، وفي هذا السياق عمل المرأة واختلاطها بالرجال على مستوى بعض المنطلقات ، فيما المفترض التركيز على المفهوم وملاحظة آليات تطبيقه بحسب كل زمان ومكان ، بما لا ينافي المفهوم عينه . هذا كلّه معناه أنّ البشر بطبيعتهم يلقون على المفاهيم الدينية ثوب تجربتهم ، الأمر الذي يفضي بمرور الزمن إلى إدخال ما ليس من الدين فيه ، ومهمة تنقية الدين وتطهيره من البدع تطالب على الدوام برصد هذه الظواهر لتنظيف الدين مما علق به ، وهي مهمّة مقدّسة من الناحية الدينية ، والملفت أنّ التراث الإسلامي كان حذراً على الدوام من البدعة والابتداع وهما زيادة في الدين ، لكنّ ثقافتنا الإسلامية المعاصرة الخائفة على الهوية تنظر لمن يزيد في الدين بمنظار الصادق الذي يقع في الخطأ المبرّر بمثل مفاهيم التسامح في أدلّة السنن وعدم وقوع التشريع ورجاء المطلوبية وغير ذلك ، أمّا لو أراد شخص تطهير الدين مما لحق به ، فإنّه يتهم بخبث النيّة ، مع أنّ خطر ابتداع شيء في الدين لا يقلّ عن خطر حذف شيءٍ منه ، فلا ينبغي التمييز بين هذين النوعين ، والكيل بمكيالين فيهما ، فهما معاً مهمّة دينية سامية