تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
المستوى الزماني المترامي وعلى المستوى المكاني أيضاً . ليس هذا بالأمر الجديد ، لكن المهم هو أنّ الجيل المؤمن الأوّل يقوم بممارسة هذا المفهوم أو ذاك طبقاً لواقع أعرافه وتقاليده وحالته الزمكانية ، وبمرور الزمن يصل المفهوم الديني إلى الأجيال اللاحقة مكسوّاً بشكله التطبيقي الزمني ، فيحصل التحام في الوعي الجماعي بين المفهوم وبين الممارسة التي وصلت للجيل الثالث أو الرابع ، فيصبح التطبيق جزءاً من المفهوم ، مع أنّه لم يكن سوى شكل من الأشكال الاجتماعية الزمنية لممارسة هذا المفهوم ، وعندما تظهر حركة تجديدية تفكيكية تطالب بفك الارتباط بين المفهوم والمصداق ، بين الفكرة وشكلها التطبيقي ؛ لأنّ الارتباط يعيق التقدّم واحترام الظروف الزمكانية الجديدة . . هناك يقع الانقسام والتشظي بين محافظين وإصلاحيين . هنا تكمن واحدة من أهم وأخطر وظائف علماء الدين التجديديين والمصلحين الاجتماعيين ، أن يقوموا بفك الوصلة بين الصورة التاريخية للمفهوم الديني وبين نقاوة المفهوم الديني نفسه ، ومن دون فك هذه الوصلة سيبقى الغلوّ في الدين - بمعنى الإفراط في الأخذ بحرفيّته - أمراً سائداً مهيمناً . سأعطي مثالًا بسيطاً أترك تحليله الفقهي إلى مجال آخر ، بعض أشكال الشعائر الحسينية مثل التطبير ، لم ترد في نص ديني ثابت ، وإنّما هي شكل من أشكال التعبير عن الحزن والتفجّع ظهر منذ ما لا يزيد عن القرنين من الزمن ، من وسط اجتماعي لبعض البلدان الإسلامية - إمّا تركيا أو الهند أو . . - ثم راج بين الناس ، والآن نحن نتناقش فيه منذ مدّة ، وتتشظّى الأمة نتيجته ، مع أنّ المفهوم السماوي هو إحياء هذه الشعيرة الحسينية وضخّها المستمرّ في النفوس والعقول والمشاعر والعمل ، أمّا شكل ذلك وآليته فهو أمرٌ بشري نصنعه نحن طبقاً لمناخنا الثقافي والاجتماعي ،