الواقع يستدعي تحوّلات في النص ، أعني في فهم النص وطريقة التعامل معه ، لكنّ الأمر المهم الآخر هو أنّه لم يقدّم أيّ دين - فيما نعلم - صيغاً نهائية لأنماط العيش وأشكال ممارسة الحياة ، وإنّما وضع ضوابط عامّة ومؤشرات كليّة ؛ لضبط حركة الحياة وحمايتها من الانزلاق ، إلى جانب مجموعة من التدخلات المحدودة هنا وهناك للحدّ من شيء ما أو إطلاق شيء محدود ، أمّا الأشكال التطبيقية للممارسة الدينية فتظلّ أمراً زمكانياً ، وهنا نجد إشكاليّة شائعة في الوسط الديني وهي إشكاليّة الدمج بين النظرية والتطبيق ، وهذا من أخطر ما يحصل في الوسط الديني ، ويدعو دوماً لحتمية تجديد الفكر الديني ، وذلك أنّه من الطبيعي - عندما ينزل الدين بمجموعة مفاهيم عملية - أن يقوم المؤمنون بتطبيق هذه المفاهيم في حياتهم ، وهناك مجموعة ضافية وافرة من المفاهيم الدينية ليس لها شكل تطبيقي واحد ومحدّد وصارم في الدين نفسه ، باعتراف الفقهاء المسلمين أنفسهم ، مثلًا : يقولون : كثرة الضحك مكروهة ، لكن من هو الذي يحدّد عنصر الكثرة ؟ لا يوجد في الدين رقم محدّد للكثرة ، وإنّما هي قضية موكولة لعرف الناس . ويقولون أيضاً : احترامك الكبار أو الوالدين أمرٌ حسن في الدين ، لكن لا يوجد تحديد نهائي لأشكال الاحترام ، فالوقوف عند دخول الكبير إلى المجلس شكلٌ من أشكال الاحترام في بعض المجتمعات ، لكنّه ليس كذلك في مجتمعات أخرى ، وما أكثر المظاهر الاجتماعية التي يعدّها مجتمع ما سلبيةً فيما لا يراها مجتمع آخر كذلك .
في هذه الحالات ، وأمثالها كثير ، يحيل الفقهاء المسلمون إلى العرف ، ولو سألنا ما هو العرف ؟ سيكون الجواب : إنّه حصيلة العقل الجمعي الذي كوّنته السياسة والاقتصاد والاجتماع والنظم الطبقية وأنماط العيش وغير ذلك ، إذاً مفهوم واحد تأتي به السماء لكنّ أشكال تبلوره الميداني تكون متعدّدة ، وهذا شيء طبيعي على
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 291
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٩١