تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
الواقع هنا ، وليس من دعاة المعرفة لتفسيره أو تبريره . لقد حمى الفقيه بهذه الطريقة اجتهاده من التلاعب بالنصوص المقدّسة ، لكنه لم يكن يدري أنّ مشكلةً أخرى تنتظره على المقلب الآخر ، إنّها مشكلة تكوين فقه غير واقعي ، فالعزلة التي سعى إليها الفقيه ليحمي النصوص من التطاول عليها جرّته إلى فقه فرضي ، كفقه الأرأيتيين في القرن الثاني الهجري من جهة ، وفقه متجافٍ عن التطبيق غير قابل للممارسة من جهة ثانية ؛ لأنّ الفقيه تعامل مع النصوص كونها تقدّم له أحكاماً أوّلية تقترب من السكون والثبات ، وعندما أفتى بهذه الأحكام لم ينتبه أنّ الواقع يطالب على الدوام بأحكام من النوع المتحرّك ، وهذا ما قدّم الفقه الإسلامي بصورة نظرية تجريدية أحياناً ، أو أوحى بأنّ الأحكام الأوليّة مغيبة غالباً لصالح الأحكام الثانوية . نحن مع فقه التغيير وليس فقه التبرير الذي هو فقه عطالة ذاتية وفقه محافظة على الحال القائم ، ذاك الفقه السلطاني الذي ينتظر الحاكم كي يتخذ قراره السياسي ليأتي الفقيه فيأوّل النصوص له ، أو يصدر الحاكم فتواه فيجتهد الفقيه له ، مع الانتباه إلى أنّني أعمّم مفهوم السلطان هنا ليشمل الشركات المتعدّدة الجنسية والقوى الكبرى ذات المصالح اليوم في العالم ، والتي تفرض واقعاً ما أو نمط حياة ما ، ثم يأتي فقيهنا أو مثقفنا ليبرّر هذا الواقع أو يكرّسه بدل أن يدرسه بموضوعية وعلمية وتجرّد ، لكنّ هذا لا يعني تجافياً أو منافرة بين الواقع والاجتهاد ، ودليلنا على ما ندّعي ينبع من تحليل حقيقة علم الفقه ، فهل هو علم دنيوي يستهدف صلاح الدنيا التي أمرنا بصلاحها كي ننال بذلك صلاح الآخرة ، أم أنّه علم أخروي يطالب بالتعبّد والطاعة للنجاة يوم القيامة وليس مسؤولًا عن صلاح الدنيا ؟ لقد نظّر العديد من علماء الكلام وأصول الفقه الإسلامي للفقه القادر على
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 288 | حيدر حب الله