لم نعط حماية دنيوية وأخروية للاجتهاد بهذه الدائرة الواسعة ، فسنكون - كما يقول بعض المتصوّفة - كمن يحلّق داخل غرفة ظانّاً أنّه بتحليقه قد طار في السماء .
إذن ، فلنحرّر كلمة الاجتهاد من تفسيره بفهم النص كما راج عند الشيعة ؛ لأنّ من الاجتهاد ما يكون سابقاً على النص ، ولنحرّره أيضاً من التفسير السنّي لنجعله في النص وخارجه معاً ، ونحن مع دعوة الشيخ القرضاوي للانتقال بالاجتهاد من الفقه إلى أصول الفقه « 1 » ، لكنّنا نطالب ببسط العملية الاجتهادية لتصل إلى خارج علوم النقل ، فتطال العقليات بمدياتها الواسعة ، فالتجديد لا ينحصر - كما فهمه بعض العلماء - بإطار النصوص الظنيّة التي تسمح بالحركة ، بل يطال النصوص الثابتة ؛ لأنّ الاجتهاد ليس تخلّياً بالضرورة عن الثوابت ، بل قد يكون فهماً لها ، أو إبداعاً لشكل من أشكال ممارستها ، أو محاولة جديدة لتكييفها مع بعضها ، ما دام الفقيه أو المفسّر يقدّم نظرياته ضمن منطق علمي يعطيه حقّ الاجتهاد ، كما يعطي الآخرين حقّ نقده في اجتهاده هذا .
على هذا الأساس ، يجب تحرير الاجتهاد من مضمونه ، وإذا استطعنا البرهنة على ذلك في علم الكلام فقد شَرْعَنّا التجديد بأوسع دوائره ، وأعني بذلك أنّنا عندما نعطي الحق في الاجتهاد فنحن نعطي حقّ ممارسة فعل فكري ، ولا نربط هذا الحق بنتيجة معيّنة ؛ لأننا إذا ربطناه بهذه الطريقة نكون قد ألغيناه وأولدنا نقيضه داخله ، تصوّروا معي أنّنا منعنا التقليد في العقائد وأعطينا للإنسان الحقّ في الاجتهاد والنظر ، إنّ هذا الحق معناه أنّنا أعطيناه ضمانات دنيوية وأخروية بعدم تعرّضه للعقوبة لو أخطأ ، وإلا فإذا شرطنا الاجتهاد والتجديد بأن لا يتوصل إلى غير ما توصّلنا إليه ، فإنّ هذا لا يعني أننّا أعطيناه حقّ الاجتهاد ، وإنّما فرضنا عليه أن يفكر
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 97 .