الفكر الإسلامي ، فنحن نعرف أنّ تجربة القرنين الأخيرين كانت حافلة بالمنجزات وبالتجارب التي خاضها الإحيائيون ، ونحن لا نرتاب في أنّ حركة الإحياء خلقت حالة ممانعة حمت الأمّة في أكثر من موقع ، وحافظت على وجودها طيلة هذه الفترة من أن تذوب أو تتلاشى أمام هول المجريات في العالم ، لقد امتاز الإحياء الإسلامي بمنطقي : الدفاع والممانعة ؛ اعتقاداً بأن المشكلة الأكبر تأتي من الخارج ، وقد نجحت التجربة على غير صعيد ، لكن هناك فرق واضح بين حماية منزلي من التعرّض للخراب من الخارج وبين قدرتي على إدارة هذا المنزل بعد حمايته ، والإسلام لا يختصر في حماية الجماعة ، بل الجزء الأبرز منه يكمن في بناء الجماعة وليس فقط صيانتها ، ولو أنّنا رصدنا تجارب القرنين الأخيرين لوجدنا نجاحاً نسبياً في الملفّ الدفاعي ، لكنّنا لم نجد - غالباً - تجارب ناجحة في ملف بناء الداخل الإسلامي ، بل ظلّت الكثير من الأمم والشعوب التي أخذت الخيار الإسلامي تعاني من مشاكل لا تبتعد كثيراً عن مشاكل مثيلاتها من الشعوب والأمم المسلمة التي أخذت بالخيار العلماني أو القومي أو . . .
عندما تأتي أكثر من تجربة في البنك غير الربوي ، وتنتظم أجزاء النظرية على المستوى العلمي ، لكنّنا عندما نجرّب لا نجد مظاهر تنمية أو تقدّم اقتصادي ، فهذا معناه أنّ هناك خللًا في النظرية وحاجة للنقد والإصلاح ، فليس المهم أنّ نظريةً ما نجحت في زمن ما حتى تكون محمية من النقد في زمن آخر ، فلكل زمان - في بعض الموضوعات على الأقلّ - معاييره ومحكمته المستقلة عن محاكم غيره .
إنّ وقوع النظم الفقهية والأخلاقية والمعرفية التقليدية في أكثر من إخفاق على مستوى حياة الأمة وشعوبها ، هو الذي يفسح في المجال لفتح نافذة نقد وتجديد ، وأظنّ أن الشيخ محمد عبده عندما نحا منحاه الاعتزالي في قضية الفعل والإرادة
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 276
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٧٦