حبس نفس جائز ، والتصرّف بأموال الغير لا يجوز ولكنه يجوز للنفس ، والتحكّم في إرادة الغير وحركة جسده لا يجوز لكنه يجوز مع النفس ، ولم تتضح نكتة التلازم ، وأما الحديث عن عدم سلطنة الإنسان على جسده بقتل نفسه أو بتر أعضائه أو نحو ذلك فهذا إنّما هو لدليل خاصّ ، وهو حرمة الإضرار بالنفس والأعضاء والمنافع تارةً ، وحرمة قتل النفس أخرى ، وهذان الدليلان لا يشملان حالة حلق اللحية التي نتحدّث عنها ، فإنه لو حلق الإنسان لحيته بحيث تنبت بعد ذلك ، فلا يعنون بعنوان قتل النفس ، ولا يفهم العرف منه عنوان الضرر ، كيف وقد ذكر مشهور الفقهاء - فيما يبدو - أنّ الضرر البسيط بالنفس غير محرّم كجرح نفسه جرحاً بسيطاً ، مع أنّه حرام على الغير وفيه عقوبة وتغريم شرعاً .
فأصل هذه القاعدة باطل ، ولولا عنوان الضرر أو عنوان قتل النفس أو عنوان وجوب حفظ النفس لكان للإنسان سلطنةٌ على جسده كسلطنته على ماله ، بل هي سلطنةٌ تكوينية ترجع إليه بمنح الباري له ، فتكون أقوى من السلطنة الاعتبارية الثابتة في باب الأموال ، نعم ، حيث كانت سلطنة الله وملكيّته للإنسان وماله ملكيةً حقيقية تامة بل الأتمّ ، كان له التدخّل - تشريعاً - للحدّ من سلطنة الإنسان على نفسه وماله ، بتحريم الإضرار في الأولى أو الإسراف والتبذير في الثانية ، فسلب السلطنة بنحو القاعدة يحتاج إلى دليل .
وهذا لا يعني عدم وجود السلطنة الحقيقية للإنسان على ذاته وأفعاله وولاية تكوينية له على ذلك ، لكن في طول الولاية التكوينية للمولى سبحانه وتعالى ، غاية ما في الأمر أنّ الشرع والقانون العقلائي ، ونتيجة تدخل المصالح والمفاسد في نظام الحياة الإنسانية يقيّدون هذه السلطنة تشريعاً بما إذا لم يلزم الضرر على الذات أو
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 184
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٨٤