على أنّ في الرواية بعض الغرابة ؛ إذ كيف يوجّه البزنطي تارةً وعلي بن جعفر أخرى نفس السؤال ، مرةً إلى الإمام الرضا وأخرى إلى الإمام الكاظم ، ويقع الجواب في المرّتين معاً متشابهاً جداً وكأنها جملة واحدة ، اللهم إلا إذا نفي هذا الاستبعاد باحتمال اتفاق هذا الأمر ، لا باحتمال الوضع .
وعلى أية حال ، فالسند ضعيف ، خلافاً لبعضهم حيث وصف الرواية بأنّها « عالية في الصحّة » « 1 » .
ثانياً : ما ذكره بعض الفقهاء ، من أنّ ظاهر الحديث هو النهي عن الأخذ من اللحية ، بمعنى مقدّمها ؛ لأنّ السؤال كان عن الأخذ ، وهذا يعني أنه يجوز إصلاح العارضين أو حلقهما ، أما إصلاح مقدّم اللحية فلا يجوز فضلًا عن حلقه ، وهذا مما لا يلتزم به أحد إطلاقاً ، بحيث يحرم حتى إصلاح مقدّم اللحية ، فتحمل الرواية على الندب « 2 » .
ويعزّز هذا الكلام أنّ لفظ الأخذ في الرواية تعدّى إلى اللحية بحرف « من » ، وفي هذه الحال يكون شديد الوضوح في البعضية ، نعم لو لم يكن ( من ) موجوداً لأفاد تعلّقُ الأخذ باللحية حلقَها .
وقد يناقش هذا الكلام كلّه بأنّه لا يعقل أن يسأل شخصٌ مثل البزنطي أو علي بن جعفر ، وهما من الشخصيات الفقهية البارزة في القرن الثاني الهجري ، عن تخفيف اللحية ، حيث إنّ هذا الأمر يفترض أن يكون واضحاً بالارتكاز المتشرّعي ، حيث يكون الإمام نفسه وسائر علماء ومتشرّعة المسلمين قد أصلحوا لحاهم أو
هامش
( 1 ) محمد جواد البلاغي ، الرسائل الفقهية ، رسالة حرمة حلق اللحية : 438 ؛ وانظر : الحلية في حرمة حلق اللحية : 11 .
( 2 ) دراسات في المكاسب المحرّمة 3 : 125 - 126 ؛ والحلية في حرمة حلق اللحية : 12 .