ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب » « 1 » . والحديث مقبول عند غير واحدٍ من أهل السنّة « 2 » .
إنّ صيغ : وفروا ، اعفوا ، ارخوا ، أوفوا ، أرجوا « 3 » ، كلّها تترافق في هذه النصوص مع مسألة التشبّه بالمشركين واليهود والمجوس وأهل الكتاب ، إنّ هذا - لا سيما بقرينة رواية أبي أمامة في مشيخة من الأنصار - يضاعف من احتمال إرادة الرغبة في الامتياز في بداية الدعوة عن سائر الملل غير المسلمة ، إنّ ترافق الحديث عن الشارب واللحية في هذه النصوص كلّها يضعنا هو الآخر أمام هذا الاحتمال ، فهذه النصوص لا يفهم صدورها بكثرة - إن لم ترجع كلّها إلى رواية أو روايتين - في مجتمع لم يعرف حلق اللحية سوى بوصفه مثلةً ينزّه الناس عنها ، إلا بمعنى أنّ عملية الربط بين الشارب واللحية مطلوبة وتشكّل هدفاً للمتكلّم ، ولا نجد وجهاً للربط إلا قضية التشبّه ، فلو كان المراد بيان قضيّة حفّ الشارب - سواء فسرّناه بجزّه كلّه أو بحفّه من طرف الشفة - فلماذا جاء التركيز دائماً معها على مسألة اللحية ، دون أن تكون مبتلى بها . . هذا كلّه يعزّز احتمال أنّ الحكم انصبّ على التشبّه وأنه يدور مداره . فإذا بني على حرمة التشبّه كانت الحرمة هنا ثابتة بهذا المقدار وإذا بني على عدم حرمة التشبّه كما ذهب إليه بعض المتأخّرين استناداً لكثرة موارد النهي بملاك التشبّه مع قولهم بعدم الحرمة فيها « 4 » ، لم يعد معنى للحرمة مطلقاً هنا .
وبهذا كلّه ، يظهر أنّ نصوص حلق اللحية التي تقدّمت تهدف إلى مجرد بيان
هامش
( 1 ) مسند ابن حنبل 5 : 264 - 265 ؛ وانظر : المعجم الكبير 8 : 237 .
( 2 ) انظر : مجمع الزوائد 5 : 131 .
( 3 ) حول هذه الصيغة الأخيرة انظر : النووي ، شرح مسلم 3 : 151 .
( 4 ) الغماري ، إفادة ذوي الأفهام بأنّ حلق اللحية مكروه وليس بحرام : 54 - 80 .