وأما على التقدير الثاني ، فيكون المعنى أنّ الاستقامة على الدين هي الفطرة التي لا تبديل لها ، فيكون مراد الآية المستدلّ بها هنا حرمة تغيير الفطرة التي تستدعي السير خلف الدين ، فكأنّ إبليس يريد حرف الناس عن مقتضى فطرتهم الداعية لهم إلى الدين ، ولا يكون تهافتٌ بين الآيتين ؛ لأنّ آية سورة الروم تنفي التبديل فيما الآية التي نحن بصددها تتحدّث عن التغيير ، والتبديل استبدال شيء مكان شيء ، فيما التغيير منسجمٌ مع الحفاظ على الشيء وإجراء بعض التعديلات عليه ، وبناءً عليه فلا تدلّ الآية على حرمة حلق اللحية ؛ لعدم كونها بصدد ذلك .
ونوقش هذا الربط بأنّ صدر الآية المستدلّ بها هنا تحوي قرينة ترفع إرادة الأمر المعنوي كدين الله وأمثاله ، فإنّ صدرها جاء فيه :
( فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ )
، وهو ظاهرٌ في الأمر الخارجي ، كما أن ذيلها جاء فيه تعبير :
( فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ )
، وهذا التعبير ظاهرٌ في التغيير الحسّي التكويني لا المعنوي التشريعي . وبحسب تعبير الإمام الطبري فإنّ الإشارة لآذان الأنعم تكفي في إرادة التغيير الخارجي ، فجعلها مرةً ثانية ضمن تغيير خلق الله خلاف الأفصحية في القرآن الكريم « 1 » .
وأجيب بأنّ فقرات الآية تحوي أموراً معنوية كالإضلال وتقوية الأماني الدنيوية الباطلة ، وشقّ آذان الأنعام وتحريمها بذلك افتراءً على الله تعالى ، وتغيير فطرة التوحيد فيهم إلى الشرك ، فكيف يجعل السياق سياق أمور خارجية ، مضافاً إلى أنّ كلمة ( الخلق ) لا تختصّ بالتكوينيات بل تعم المعنويات أيضاً ، كما شهدت بذلك آية سورة الروم المتقدّمة « 2 » .
وهذا الجواب يصلح لرفع الاختصاص في الآية بالأمور التكوينية لا لإثبات
هامش
( 1 ) انظر : جامع البيان 5 : 386 - 387 .
( 2 ) المنتظري ، دراسات في المكاسب المحرّمة 3 : 115 .