نتيجة واضحة عن وجود اختلاف جوهري بينهما ، وأنّ الخلط الذي وقع فيه بعض المشتغلين في الفقه الإسلامي لم يكن صحيحاً إطلاقاً . ويتضح التغاير المدّعى هنا عبر النقاط التالية :
أولًا : إنّ الاحتكار في التشريع الإسلامي يعني حبس السلع والحيلولة دون وصول الناس إليها ، فيما في الاقتصاد الوضعي لا يستبطن الاحتكار أيّ عنصر من عناصر حبس السلع ، وإنما هو تركيبة أو هيكلية معيّنة للسوق تسمح لشركة واحدة أو متعامل واحد فيه بإنتاج سلعة أو خدمة ما وحمايته من منافسة الآخرين له ، فالاحتكار عند القانونيين إنما يجعل إنتاج السلع أو توزيعها وعرضها بيد جهة خاصّة لا تمتنع عن الإنتاج بل تتفرّد به مع التصدّي التام له ، وإنما جعل ذلك احتكاراً من باب وجود القدرة على التحكّم في الإنتاج تارةً والقيم أخرى ، فيما لا يعبّر الاحتكار في الفقه الإسلامي عن مطلق القدرة التحكّمية في السوق ، بل عن التحكّم به عن طريق المنع عن تداول السلعة فيه خاصّة .
ثانياً : إنّ الاحتكار في الاقتصاد الوضعي إنما يواجه مشكلة التحكّم في الأسعار بوصفه غرضاً نهائياً للشركات الاحتكارية ، وهذا معناه أنّ الاحتكار بمفهومه الوضعي مرتبطٌ فقهياً بمسألة التسعير وحجم الربح ، وليس مرتبطاً بالاحتكار بمفهومه الإسلامي ، والمعروف في الفقه الإسلامي أنه لا يوجد تسعير إلا في إطار العناوين الثانوية وتدخّل الدولة بما تراه من مصالح زمنية تضبط الأسعار ، فمن يقول بجواز أن يسعّر المالك سلعته ويربح دون ضابط للربح لا يرى الاحتكار الوضعي حراماً من هذه الزاوية .
وهذا يعني أن دراسة الاحتكار بمفهومه الوضعي يجب أن لا ترتبط فقط بمفهومه في الفقه الإسلامي ، وإنما بمجموعة مفاهيم أخرى كحجم الربح
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 117
مساهمون: حيدر حب الله
ص١١٧