هذا كلّه ، مع غض النظر عن بعض الشروط الأخرى التي أخذتها بعض المدارس الفقهية في الاحتكار ولم نوافق عليها ، وعلى تقدير أخذها تزداد الهوّة بين مفهوم الاحتكار الإسلامي والوضعي ، مثل سبق الشراء أو المدّة الزمنية المعينة في حبس السلع أو غير ذلك .
ونتيجة القول : إنّ الاحتكار بمفهومه الوضعي لا يمكن أخذ أحكامه من الاحتكار بمفهومه الإسلامي ، وإنما من مجمل النظرية الاقتصادية العامّة المتصلة بمجمل عناصر السوق ونحو ذلك .
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أنّ ابن القيم قد طرح كلاماً حول ما سمّي في الفقه السنّي باحتكار الصنف ، وفسّره بأن يحتكر بيعَ سلعةٍ ما أشخاصٌ معروفون معينون ، لا تُباع إلا لهم من قبل المنتجين ولا يبيعها في السوق غيرهم ، ومن ثم فإنّ لهم بيعها كما يريدون ، وقد اعتبر ابن القيم هذا النوع من الاحتكار بغياً في الأرض وفساداً ، نافياً التردّد في ذلك عند أحدٍ من العلماء « 1 » .
وهذا الموقف يقترب من مسألة الاحتكار بمفهومه الوضعي ، إلا أنّ إطلاق اعتباره بغياً في الأرض غير واضح ؛ وذلك أنّ الاحتكار بمفهومه الوضعي لا يلازم منع أحد عن التدخل في المنافسة ، لكنه يجعل السوق بحيث لا يقوم طرف ثالث مثلًا بالمنافسة ، فالاحتكار وصف لحال السوق في مفهومه الوضعي ، وقد ترافقه في بعض الأحيان - كما أشرنا من قبل - بعض الامتيازات القانونية التي تمنحها الدولة لهذه الشركة أو تلك ، نعم الحقوق الحصرية بالمعنى المعاصر يطابق ما يريده ابن القيم .
كما أنّ جعله مفسداً مطلقاً غير واضحٍ بدوره ، فإنّ المسألة تحتاج لرصد لحال
هامش
( 1 ) انظر : الطرق الحكمية : 245 ؛ والموسوعة الفقهية ( الكويتية ) 2 : 94 .