ذهابه إلى الاختصاص بالطعام والقوت لا مطلق ما يحتاجه الناس ، نعم المنسوب للأحناف من بعده - على مستوى بعضهم مثل أبي يوسف - أنهم يقولون بالاحتكار في كلّ ما يحتاجه الناس ، فإحراز النسبة المدّعاة في كلام الشيخ المنتظري مشكل ، وعصر أبي يوسف وسائر الأحناف كان بعد وفاة الإمام الصادق ( 148 ه - ) الذي توفي قبل الإمام أبي حنيفة ( 150 ه - ) .
الثاني : إنّ هذه المحاولة تعاني من خلل في المعطيات التاريخية ، فأبو حنيفة لم يكن فقهه سائداً أساساً في زمن الإمام الصادق على مستوى عمل الدولة به ، وإنما بدأ يشتهر في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري على يدي تلميذيه : أبي يوسف والشيباني اللذين مدّا جسور التواصل ، بل المعروف تاريخياً أنّ أبا حنيفة رفض تولّي القضاء في الدولة العباسية ، وكانا يميل - سياسياً - إلى معارضة الدولة العباسية ، كما تعرّض للسجن أيضاً من قبل هذه الدولة ، فكيف يتصوّر أن تكون الدولة العباسية في عصره عاملةً بفتواه وكأنّ مذهبه كانت له مكانة ونفوذ في الوسط الحكومي آنذاك ؟ !
نعم ، الإمام مالك كان موضع احترام العباسيين الذين عرضوا عليه جعل كتابه دستوراً للبلاد ولكنه رفض ، ومع ذلك ليس هناك مؤشرات على نفوذ فتاويه في حياة الإمام الصادق ؛ لأنّ الدولة العباسية في هذه الفترة كانت في بدايات نشوئها ، ولم تبلغ مرحلة الاستقرار السياسي الذي يؤهّلها لمثل ذلك .
الثالث : لست أدري إذا كان الإمام الصادق عليه السلام يرى أنّ الاحتكار مورده ما يحتاج إليه الناس ، وكان يريد بيان أنّ ما يقدم عليه العمال غير صحيح ، فلماذا يختار أسلوب الحصر في أشياء معيّنة بدل أن يبيّن الموقف بشكل واضح ؟ ! ألم يكن بإمكانه أن يبيّن أنّ غير هذه ممّا لا يحتاجه الناس بدل أن يقدّم بياناً موهماً ؟ ! علماً أنّ
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 106
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٠٦