ومهما اختلفنا معه في تفصيل هذا التفسير لهذه الآية أو تلك فلا نستطيع الشك بأنّه كان رجلًا متديّناً مفسّراً قرآنياً فذّاً وقدّم فلسفة متديّنة مؤمنة ، خدم من خلالها - كما يظهر من كتابه أصول الفلسفة والمنهج الواقعي - الفكر الديني بما لم يستطع الكثير من النصيّين فعله .
وهكذا لو سرنا مع فيلسوف آخر مثل السيد محمد باقر الصدر ، حيث وجدناه يقدّم - بعد فلسفتنا - أطروحة ( الأسس المنطقية للاستقراء ) مقترباً فيها حتى من الأنموذج الغربي في التفكير المنطقي ، ومع ذلك لم يخرج عن قواعد الذهنية الفقهية والأصولية الحاكمة على المؤسّسة الدينية ، وهذا يعني التمكّن التاريخي من توفير أنموذج للدرس الفلسفي لا يخلق قلقاً على القيم والعقائد الدينية ، فلماذا لا تكون هذه الشواهد التاريخية دليلًا على إمكانية الجمع بين الدرس الفلسفي والفكر الديني ؟ !
رابعاً : كانت ملاحظاتنا السابقة قائمة على التسليم بمنهج التفكير الذي اعتمدته هواجس العقل الديني ، لكنّنا الآن نريد تفكيك المشهد أكثر من زاوية مبادئه الفكرية لنحاكم منطق التفكير الرافض للدرس الفلسفي محاكمة معرفية علميّة ، إنّ الفلسفة على قسمين : فلسفة وجود وفلسفة معرفة ، إذا استبعدنا الآن الفلسفات المضافة ، وفلسفة المعرفة تخوض في مناهج التفكير وأصوله ومنطلقاته ، إنّها تقترب من الدرس المنطقي ، وتشتغل على أخطر قضيّة في التفكير وهي تحليل بنية الجهاز الإدراكي للذهن البشري . ونحن نعرف أنّ هذا النوع من الفلسفة يسبق كلّ تفكير بشري ، فهو متعالٍ عن الأديان والمذاهب والفرق والأوطان ، ولا يصحّ أي تفكير بشري قبل أن يأخذ شرعيّته واعتباره المنطقي من هذا الدرس المعرفي . وأمّا فلسفة
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 80
مساهمون: حيدر حب الله
ص٨٠