والتفسيرية يتمّ التعاطي معها من موقف التحفّظ والرفض وتهمة الابتداع ، فيما لا نجد الفقهاء - رغم ذلك - يتعاملون بسبب هذا الأمر مع مجمل علم الفقه بأنّه علم بِدْعِي ضالّ ، وهكذا الحال في علم أصول الفقه ، حيث جاءت الكثير من التعليقات النقديّة عليه حتى رأى بعضهم له ضرراً كبيراً على المصادر الدينية الأصيلة ، ومع ذلك ظلّ هذا البعض - مثل السيد عبد الأعلى السبزواري - مؤمناً بهذا العلم ، غاية الأمر من الدّعاة إلى تهذيبه وتشذيبه لرفع المشكلات التي يواجهها .
إنّ الجمع بين عناصر الضرورة في الدرس الفلسفي والتي أشرنا إليها آنفاً من جهة ، والمخاطر التي تنجم أحياناً عن الشغل الفلسفي من جهة ثانية ، لا تدفع إلى الشطب على هذا الحقل المعرفي وإثارة الزوابع ضدّه والتحذير منه والمنع من تدريسه في بعض الحوزات والمعاهد الدينية ، بقدر ما يستدعي تبنّي خيار الدرس الفلسفي من حيث المبدأ ثم القيام بمحاولات تصحيح تدفع هذا الدرس لتصويب مقولاته وتصحيح منهاجيّاته في البحث العلمي بما يتوافق مع الدين ، ومع البعد العلمي للفلسفة معاً .
ثانياً : يبدو لي أنّ المنهج الإخباري وتيار المحدّثين كان أكثر وفاءً لأفكاره من هذه الناحية ، فقد رفض علم أصول الفقه وإن لم يكن رفضه له منطلقاً بالضرورة من البعد الفلسفي الذي نتحدث عنه ، لكنّ الازدواجية التي تبدو لنا تسيطر على التيار الأصولي في المعاهد الدينية التي تحكم المؤسّسة الدينية في الوسط الشيعي اليوم ؛ وذلك أنّ الجميع يعلم مقدار النفوذ الذي تتمتع به الفلسفة ومقولاتها في علم أصول الفقه بشكل مباشر أو غير مباشر ، مثل مباحث اعتبارات الماهية والمشتق والعقل العملي ، وكيف استفادوا من قواعد الفلسفة وقضاياها في مثل مباحث مقدّمة الواجب والمفاهيم واجتماع الأمر والنهي والوجوب التخييري وبعض
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 77
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٧