تفصيلات مباحث الاستصحاب ، وقد رأينا أنّ مثل الشيخ الخراساني ( 1329 ه - ) - صاحب كفاية الأصول - قد استقدم للدرس الأصولي مجموعة قضايا فلسفية لأوّل مرّة ، ربما يكون منها قاعدة الواحد بصياغاتها « 1 » . ومن يراجع الدرس الأصولي منذ الوحيد البهبهاني ( 1205 ه - ) إلى يومنا هذا يرى كم سيطرت الذهنية الفلسفية والمنطقية على آليات الشغل الأصولي ، بل نحن نجد الشيخ البهائي ( 1030 ه - ) يضع مقدّمات منطقية وعقلية في بداية كتابه : زبدة الأصول « 2 » ، متابعاً في ذلك الشيخ أبي حامد الغزالي ( 505 ه - ) « 3 » . والسؤال : إذا كانت الفلسفة لعنةً من اللعنات التي يجدر الابتعاد عنها ، فما هي هذه الازدواجية التي وقع فيها بعض الفقهاء والأصوليون ؟ ! فهم من ناحية يعيشون البحث الفلسفي في غير موقع من مواقع درسهم الأصولي بل والفقهي ، ومن جهة ثانية يتحفّظ بعضهم من هذا العلم أساساً ، إنّ هذا يعني أنّ بالإمكان الجمع بين هذا العلم وتجنّب محاذيره المفترضة من جهة أخرى ، وبهذا ترتفع حالة الازدواجية القائمة في هذا المجال .
ولو أردنا الاستغراق أكثر في هذه النقطة ، لكان من المناسب أن نشير إلى أنّ المشتغلين بالبحث الفلسفي يعيبون على بعض الأصوليين وقوعهم في أخطاء حادّة في نطاق توظيفهم المفاهيم الفلسفية في الدرس الاجتهادي ، إذ يرون أنّ عدم درسهم بشكل منظّم للعلوم الفلسفية أفضى إلى وقوعهم في أخطاء في الفهم انعكست سلباً على نتائج ومعطيات البحث الأصولي الذي استخدم هذه القواعد
هامش
( 1 ) انظر - على سبيل المثال - : الخراساني ، كفاية الأصول : 141 ، 201 .
( 2 ) انظر : البهائي ، زبدة الأصول : 39 - 52 ، تحقيق : فارس حسون كريم ، نشر مرصاد ، الطبعة الأولى ، 1423 ه - .
( 3 ) انظر : الغزالي ، المستصفى من علم الأصول 1 : 30 - 131 ، تقديم وضبط وتعليق : محمد إبراهيم رمضان ، دار الأرقم بن أبي الأرقم ، لبنان .