إنّ الدوران حول النص الديني الصادر في الماضي سيفضي تلقائياً إلى انشداد غير عادي لما مضى ، وحيث يمثل النص الديني الأصلي قمّة التطوّر المعرفي في العقل النصي ، فهذا يعني - غالباً - أنه كلّما تحرّكنا نحو الحاضر كلّما ابتعدنا عن المصدر الأصلي ، وهذا ما يفسح المجال لبناء صورة انحدارية عن الصيرورة التاريخية للإنسانية ، فالأقرب لعصر النص أقرب إلى المثال والأنموذج ، فيما الأبعد على خلافه ، أو لا أقلّ على شكٍ من أمره ، حتى أنك لا تكاد تستطيع القول : إن هذا المتدين المعاصر خيرٌ من ذلك الصحابي ( العادي ) ، وكأن في هذا القول خطأ أو جريمة .
أما العقل الفلسفي ، فيرى - عادةً وليس دائماً - أن الحال في تطوّر ؛ لأنّ بناءاته قائمة على المعرفة ، ومرور الزمان يساعد في التراكم المعرفي ، مما يمنح العقل تحسّناً في أموره .
لكن على أيّة حال ، تغدو المثالية الماضوية في العقل النصي سبباً أحياناً لرغبة جامحة في الاستنساخ الحرفي ، لهذا نجد نحواً من التماهي مع الماضي حتى في شكلانيات الأمور ، ونمط الحياة ، وأسلوب العيش ، إيماناً صادقاً بأن في ذلك مقاربة للأنموذج الأعلى ، ومن هنا بالضبط تخرج بعض ظواهر السلفية والحرفية أحياناً ، فنجد ركوداً في الحياة ، وجموداً في صورتها ، وخوفاً من التغيير ، وقلقاً من حصول تبدّلات .
وعلى العكس من ذلك العقل الفلسفي الذي نجده أحياناً مندفعاً بشره للتغيير ، والتحوّل ، والصيرورة ونحو ذلك ، حتى كأنه ينكر - أحياناً - القديم لقِدَمه ويأخذ بالجديد لجدته ، وكأن قِدَم فكرةٍ يُبطل مفعولها ، أو كأن المفاهيم تبلى جميعها بمرور الأيام .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 71
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧١