من التشريعات المعاملاتية تبدو هي الأخرى غير مفهومة على نحو القطع واليقين ، وإذا ما كانت قابلةً لتفسير محتمل جداً فإن العبادات ليست بأقل من ذلك ، فقد كتب العلماء والمتصوّفة كلاماً كثيراً حول فلسفة العبادات حتى بأدق التفاصيل ، بحيث لا يبدو الصوم أمراً غريباً غير مفهوم مثلًا ، وإذا لم تكن عندنا تجربة لفهم وتفسير الظواهر فذلك لأن مقولة الرمز في العبادات كانت حاكمةً على أنماط تفكيرنا إلى جانب فقدان نتاج غربي على هذا الصعيد على النقيض مما حصل في بقية القضايا .
وأما إذا ما اقتصرنا على القضايا الثابتة بالقرآن الكريم فإن الأمور العبادية قابلة للتفسير بشكل واسع بالمقدار المبيّن لها في النص القرآني .
د - أن نفترض - كما ظهر من كلام المؤلّف وفق ما تقدّم - أن الأمور العبادية ثابتة بالتواتر وأن الخلاف فيها نادر جداً ، على النقيض من القضايا غير العبادية التي وقع خلاف واسع فيها قدّم نماذج له الكاتب نفسه في القسم الثالث من كتابه .
غير أن هذا العنصر لا يستطيع الوفاء بدعوى الثبات العبادي والتزلزل غير العبادي ذلك :
أولًا : إن إثبات أمرٍ ما على نحو اليقين لا يرتبط منطقياً بسكونيته ، إذ إن التواتر أو اليقين يعبران عن وسائل ثبوت الشيء لدى العقل الإنساني ، أما ثبات ذلك الشيء وعدم قابليته للتغير على مرّ الزمن فإنه أمرٌ يتصل بالواقع الخارجي نفسه ( ولو الاعتباري ) ، ومن ثم فالحديث عن التواتر أو اليقين يفضي إلى الخلط المنهجي بين مقام الوجود العيني والوجود المعرفي ، أي خلط بين الذهن والخارج .
ثانياً : إن نفس ادّعاء اليقين والوضوح في العبادات على النقيض من المعاملات كما ذهب إليه الكاتب ، لا دليل عليه ، بل الشواهد على العكس من ذلك تماماً ،
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 505
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٠٥