والذي يظهر أن أوّل من طرح هذه الفتوى في كتبه الفقهيّة هو الشيخ أبو جعفر الطّوسي ( 460 ه - ) « 1 » ، ولا يظهر أيّ أثر لها قبله ، سوى الرّواية التي رواها الشيخ الصّدوق في كتابه الحديثيّ « كتاب من لا يحضره الفقيه » « 2 » ، ولو سلّمنا أنّ ما يذكره الشيخ الصّدوق في هذا الكتاب يمثّل موقفه الفقهي وفق ما توحي به مقدمة الكتاب فإن هذا لا يؤكّد لنا أنه اختار هذا القول هنا ؛ لأن الرواية التي نقلها قابلة وبصورة ملفتة لتفسير آخر كما سيأتي ، ومعه كيف نتأكّد أنه قد فهم من هذا النص تلك الرؤية المعروفة ؟
وبناءً على ذلك ، لا يوجد ما يؤكّد وجود مقولة بهذا المعنى بين متقدّمي الفقهاء ما قبل الشيخ الطوسي ، فكيف نتأكّد من اتفاقهم عليها ؟ ! كما أن الذين ادّعوا الإجماع من الفقهاء لم يكن أقدم واحد فيهم سوى الشهيد الثاني صاحب المسالك ( 911 - 965 ه - ) والذي تفصله مسافة كبيرة عن الشيخ الطوسي ، وليس شخصاً قريباً جداً من العصر الفقهي الأول حتى يكون كلامه بحكم المؤشّر القويّ على وجود هذه النظرية في تلك الحقبة ؛ لأنه قد يكون افتراضه الإجماع ناشئاً من عدم احتماله مخالفة الطبقات اللاحقة من الفقهاء لحكم كان موجوداً لدى الطبقة الأولى ، لا سيما وأنهم لم يشيروا إلى رؤية أخرى هنا ، مما يعزز من احتمال أن يكون الموقف الفقهي القديم متلائماً مع ما ذهب إليه الفقهاء اللاحقون ، وافتراض أن الشهيد الثاني قد اعتمد على معطيات لا تتّسم كلها بالحسيّة ليس بالافتراض البعيد لمن خبر نمط تعامل الفقهاء - لا سيما المتأخرين - مع التحقيق التاريخي للفتاوى والأفكار
هامش
( 1 ) جاء في كتابه النّهاية : 482 : « ولا يجوز للرجل أن يترك المرأة ولا يقربها أكثر من أربعة أشهر ، فإن تركها أكثر من ذلك كان مأثوماً » .
( 2 ) وستأتي الرواية وهي صحيحة صفوان بن يحيى .