هذا كلّه ، فضلًا عن إمكانية التشكيك في وجود أحكام خاصّة بجرحى البغاة وأسراهم ومدبريهم ، تزيد عمّا تقتضيه القواعد العامّة في التعامل مع مطلق المسلم ؛ لضعف مستند النصوص الخاصّة اللفظية سنداً ، وعلى تقدير تمييز الإمام علي عليه السلام في هذا المجال فلا يعلم كونه من باب الحكم الإلهي ؛ لاحتمال انطلاقه من ولايته على النفوس والأموال ، انطلاقاً من حالة الصمت في أفعال المعصوم كما قرّر في علم الأصول ، فالحقّ عدم الأخذ بهذا الحكم الخاصّ بالجرحى والأسرى والمدبرين ، وفاقاً في ذلك للسيد الخوئي « 1 » .
بل لنا أن نضيف أمراً في هذا المجال ، وهو أنّه لو كان البغي مختصّاً بالخروج على الإمام المعصوم ، وكانت كلّ أحكامه التي بحثها الفقهاء - من التعامل مع الجرحى والمدبرين والأسرى والغنائم المنقولة وغيرها - مرتبطةً بهذه الحالة الخاصّة ، فلماذا يبحث الفقهاء عنها ؟ وما هي الفائدة من ذلك والمفروض أنّ المعصوم حينها سيكون حاضراً حتى يصدق الخروج عليه وهو أدرى بتكليفه فيهم ؟ !
والنتيجة التي نخرج بها من مطالعة مفهوم البغي وأدلّة المواجهة مع البغاة هو أنّ البغي حرام مطلقاً ، ويجب على المسلمين في حال حصوله السعي لإيجاد الصلح والسلم والوئام بين الأطراف المتنازعة ، فإنّ لم ينفع ذلك وظلّ البغي قائماً يحكم بوجوب مجاهدة البغاة ، بلا فرق بين خروجهم على السلطة الشرعية أو غيرها من سائر المؤمنين ، ولا بين كون السلطة الشرعية هي الإمام المعصوم أو غيره ، وهذا معناه بطلان أساس المفهوم المصطلح الفقهي لمفردة « الباغي » ، وضرورة إعادة تشكيل هذا المصطلح من جديد ، بعيداً عن حصره بثنائي : السلطة والمعارضة ، كما توارثته الأجيال الإسلامية .
هامش
( 1 ) أبو القاسم الخوئي ، منهاج الصالحين 1 : 389 - 390 .