تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
فإنّ ذلك خلاف روح الآية القرآنية الكريمة . نعم ، إذا لاحظت الدولة الإسلامية أنّ أهل البغي يتجهّزون للقتال وإن لم يخرجوا بعدُ ، واستنفدت السبل الإقناعية للحيلولة بينهم وبين ذلك ، جازت مقاتلتهم ، لا أن ينتظر حتى يقع القتال منهم ، ثم الصلح ، ثم يأتي دور القتال الشرعي ، فإنّ هذا الترتيب يؤخذ من جانب الطرف المحايد كما هو مفروض الآية ، وإلا فإنّ عناوين حفظ النظام والدفاع عن دولة الحق وردّ العدوان المحتمل وغير ذلك تجري هنا أيضاً ، لا سيما بعدما طرحناه سابقاً في بحث الجهاد الابتدائي من أنّ مفهوم الجهاد الدفاعي يحوي حالة ما يسمّى اليوم بالضربات الاستباقية عند العلم بتهيّؤ العدوّ للعدوان ، لا أن ينتظر لكي يغزو المسلمين في عقر دارهم وهناك يبدأ الدفاع ، وسمّينا ذلك بالدفاع بمعناه العام ، وقلنا بأنّ القرآن الكريم أشار إلى هذا الأمر من حيث الروح والمضمون في مثل قوله تعالى :
( وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ )
( الأنفال : 58 ) ، وتفصيله في محلّه . ولعلّه لما قلناه ذكر بعض فقهاء المالكيّة أنّه لا تجب الدعوة إذا عاجل أهلُ البغي أهلَ العدل « 1 » . لكن في مقابل ذلك كلّه ، قد يطرح في الآية احتمال آخر ، وهو أن لا يكون قوله : ( فإن بغت ) واقعاً بنحو الترتّب على قوله ( فأصلحوا ) ، بل بنحو بيان الحالة المغايرة ، بأن يكون المراد أنّه إذا تقاتلت طائفتان من المسلمين فالحكم هو الإصلاح ، إلا في حال ما إذا كانت إحدى الطائفتين قد بغت على الأخرى فيجب مقاتلتها حينئذٍ . إلا أنّ الإنصاف أنّ هذا المعنى غير ظاهر من الآية ، ولو بقرينة التفريع بالفاء .
هامش
( 1 ) أبو البركات ، الشرح الكبير 4 : 299 ؛ وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 : 299 .
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 406 | حيدر حب الله