الذي نحن فيه ، حيث يلزم قبل ردّ الاعتداء السعي للصلح ، وخطاب السعي للصلح وإن لم يكن موجّهاً في الآية الكريمة للمعتدى عليه ، وإنما للطرف الثالث المحايد غير الداخل في المنازعة ، إلا أنّه قد يقال بأنّ روح هذا الخطاب وملاكه يشملانه ؛ لأنّ ملاكه تقديم الصلح على غيره من الوسائل والآليات في الصراعات الداخل - إسلامية ، فإذا خاطب الطرف الثالث فهو بطريق أولى يخاطب الطرفين المتنازعين .
وربما يؤيّد ما نقول بأنّ الآية لم تشر إلى البغي في التقاتل الأول السابق على الصلح ، ولعلّها بهذا تريد أن تحقّق الصلح الذي يتعالى حتى عن تحديد الظالم من المظلوم .
من هنا ، يفهم ما ذكره بعض الفقهاء من لزوم إرشاد البغاة قبل إعلان الحرب عليهم ، وتذكيرهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، ووعظهم وتوعيتهم ومناظرتهم ، واستنفاد كافة السبل المذكورة معهم ، ومعرفة وجهة نظرهم فلو كان الحاكم مقصّراً في شيء معهم أو مع غيرهم فعله ، ولو كانت لديهم فكرة ما حاورهم فيها ، ولو كانت عندهم شبهة حاول رفعها لهم « 1 » . وسيرة الإمام علي عليه السلام مع الخوارج كانت على ذلك ؛ فلا يصحّ ما ذكره بعض فقهاء أهل السنّة من أنّ الوعظ والتذكير وكشف الشبهة أمر استحبابي ، فلو قاتلهم الإمام بلا دعوة جاز « 2 » ،
هامش
( 1 ) الطوسي ، المبسوط 7 : 265 - 266 ؛ والعلامة الحلي ، تحرير الأحكام الشرعية 2 : 230 ؛ وتذكرة الفقهاء 9 : 410 - 411 ؛ ومنتهى المطلب 2 : 984 ؛ وابن قدامة ، المغني 10 : 53 - 54 ؛ والنجفي ، جواهر الكلام 21 : 334 ؛ والنووي ، المجموع 19 : 195 ، 198 ؛ والزمخشري ، الكشاف 3 : 564 ؛ والأندلسي ، البحر المحيط 8 : 111 ؛ والألوسي ، روح المعاني 26 : 151 .
( 2 ) حاشية ابن عابدين 4 : 451 .