وعبد الله بن قيس الفزاري وغيرهما من ولاة البحرين ومن بعدهم ، كانوا يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار ويحرّقونهم هؤلاء لهؤلاء ، وهؤلاء لهؤلاء « 1 » ، وأيضاً عن عبد الله بن قيس الفزاري أنه كان يغزو على الناس في البحر على عهد ( معاوية ) ، وكان يرمي العدو بالنار ، ويرمونه ، ويحرّقهم ويحرّقونه ، وقال : لم يزل أمر المسلمين على ذلك .
وبناءً عليه ، فكيف يكون التحريق محرّماً ثم تقوم عليه سيرة الحرب عند المسلمين الأوائل ؟ ! « 2 » .
والجواب : إنّ هذه السيرة - كما يظهر من هذه النصوص - كانت في عهد معاوية ، ولا حجيّة لأفعال المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، لا سيما في ذلك العهد ، فإن لم نفسّر ذلك عصياناً لأوامر الرسول صلى الله عليه وآله ، كما عصيت أوامر أخر ، فلا أقلّ من احتمال الخطأ والاجتهاد وعدم وصول النهي إليهم ، وهذه الحروب - حسبما يظهر - كانت تقع في البحر ومع الروم ، مما قد لا يطّلع عليه وجوه الصحابة حتى يستنكرونه ، والخلاصة حتى لو ثبتت هذه القصص فلا قيمة لها ، مضافاً إلى إمكان حملها على حال ضرورات الحرب .
الملاحظة الرابعة : إنّ قصّة تحريق الرجلين لا تفيد هنا كثيراً ، وذلك أنه لو التزمنا بحرمة استخدام أسلوب التحريق فلا يلازم ذلك حرمة استخدام أسلحة الدمار الشامل المضرّة بالبيئة ؛ لأنّ بعضها فيه تحريق وبعضها الآخر ليس فيه ذلك ، كالأسلحة الجرثومية وغيرها ، فالمفترض أن لا ينتج هذا الدليل تحريم هذه الأسلحة بل التفصيل في أمرها . كما أنه لو حرّم بعضها فلا يختصّ بها ، بل يشمل
هامش
( 1 ) انظر : المغني 10 : 502 ؛ والشرح الكبير 10 : 396 .
( 2 ) انظر : هيكل ، الجهاد والقتال 2 : 1352 .