فهذه الرواية تعطي المضمون نفسه ، مع نقاط اختلاف هي :
أ - إنها تتحدّث عن رجل واحد ، فيما تحدّثت السابقة عن رجلين ، نعم وردت الرواية السابقة في موضع من سنن أبي داوود « 1 » تتحدّث عن رجل واحد .
ب - إنّ دلالة الرواية الثانية أقوى في إفادة التحريم من دلالة الرواية الثالثة ؛ لأنّ تعبير : « لا ينبغي » غير واضح في التحريم ، بخلاف تعبير « النار لا يعذب بها إلا الله . . » فإنها جملة خبرية أدلّ على التحريم .
هذا ، ويمكن أن تسجّل بعض الملاحظات على الاستدلال بهاتين الروايتين :
الملاحظة الأولى : ما ذكره بعض المعاصرين « 2 » من أنّ الرواية تنهى عن الإحراق للأسير والمعتقل ، لا عن استخدام أسلوب التحريق في الحرب وأثناء المعركة ، والشاهد على ذلك تعبير « أخذتموهما » الوارد في الرواية الثانية ، وتعبير : « فاجعلوه بين حزمتي حطب الموجود في الرواية الثالثة ، فإنّ المأخوذ والمجعول بين الحطب معتقلٌ أو أسير ، ومن الصعب تعميم الحكم من باب الأسر إلى مطلق الجهاد ، مع عدم الشاهد والقرينة ؛ لوجود احتمال معقول في أنّ ذلك من أحكام الأسرى .
وهذه الملاحظة قد يجاب عنها بأنّ التعليل الذي استخدمته الروايتان ، لا سيما الأولى منهما ، يفيد أنّه لا يعذّب بالنار إلا صاحب النار ، وهو الله تعالى ، ومع هذا التعليل يفترض الحكم بحرمة التعذيب في النار مطلقاً للأسير وغيره ؛ لانطباق مفهوم التعليل على تمام الموارد ، وتعبير التعذيب في الروايتين لا يراد منه أن يحرق
هامش
( 1 ) سنن أبي داوود 1 : 603 .
( 2 ) محمد خير هيكل ، الجهاد والقتال في السياسة الشرعيّة 2 : 1350 - 1352 ؛ وعبد المجيد محمود الصلاحين ، أسلحة الدمار الشامل وأحكامها في الفقه الإسلامي ، مجلّة الشريعة والقانون ، العدد 23 : 141 ، عام 2005 م .