بغرض أن يعذّب ، بل يحرق ليموت ، لكنّ الإحراق عذابٌ حتى لو جاء في سياق القتل ، فهذه الملاحظة غير واردة .
الملاحظة الثانية : إنّ هاتين الروايتين ينبغي طرحهما أو تأويلهما ؛ لأننا نعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد استخدم أسلوب التحريق في البويرة وغيرها ، فهذه الروايات تعارض ما جاء هنا « 1 » .
كما أنّ خبر حفص بن غياث ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مدينةٍ من مدائن الحرب ، هل يجوز أن يرسل عليها الماء أو تحرق بالنار أو ترمى بالمنجنيق حتى يقتلوا ، ومنهم النساء والصبيان والشيخ الكبير والأسارى من المسلمين والتجّار ؟ فقال : يفعل ذلك بهم ، ولا يمسك عنهم لهؤلاء ، ولا دية عليهم للمسلمين ولا كفارة . . » « 2 » ، فهذا الخبر قد أجاز إرسال النار على المدينة حتى لو كان فيها الأطفال والنساء ، فهذا كلّه يضعّف من دلالة الخبرين المذكورين .
وهذه الملاحظة غير واردة ؛ فإنّ خبر حفص بن غياث ضعيف السند بالقاسم بن محمّد ، وأما الأفعال النبوية فيمكن الخروج عن عهدتها بأنها ذات دلالة صامتة - إذا صحّت سنداً - فيمكن أن يكون موردها الضرورة ، فيما لا ضرورة هنا في قتل الرجل أو الرجلين عبر الإحراق ما دام يمكن قتلهما من دون ذلك ، إلا إذا قيل : إنّ التعليل يأبى عن التخصيص ، فالإشكال غير وارد .
الملاحظة الثالثة : إنّ سيرة المسلمين الأوائل في عهد الصحابة كانت قائمةً في الحرب على استخدام النار ضدّ العدو ، فقد ورد أنّ جنادة بن ( أبي ) أمية الأزدي ،
هامش
( 1 ) هيكل ، الجهاد والقتال في السياسة الشرعيّة 2 : 1352 .
( 2 ) الكافي 5 : 28 - 29 ؛ وتهذيب الأحكام 6 : 142 ؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15 : 62 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد العدو ، باب 16 ، ح 2 .