تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
والنسل من مقاصد الشريعة الإسلاميّة . وقد نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريف الذي تظاهر بالإسلام ، ثم غدر بالمسلمين ، فأحرق زرعهم وعقر حميراً لهم ، وأفسد في الأرض ، فن - زلت هذه الآية فيه . ونحن نلاحظ أنّها تذمّ الإنسان الذي إذا أعطي سلطةً في الأرض أفسد فيها وأهلك الحرث والنسل ، فقتل روح الحياة في الناس والمجتمع . وقد يناقش الاستدلال بالآية أنها غير واردة في الحرب المشروعة بين المسلمين وأعدائهم ، وإنما تنهى عن هذا الإتلاف للأموال بغير حقّ وعلى وجه الظلم والعدوان بهدف التخريب لا غير ، لا من مصلحة تقع في هذا الإتلاف ونحوه « 1 » . إلا أنّ هذا الإشكال يواجه مشكلة أنّ الآية الكريمة وإن لم تن - زل في الحرب ، إلا أنّ فيها لساناً إطلاقياً ، حيث تتحدّث عن ظاهرة لا عن فرد ، وهي ظاهرة سلوك من يملك السلطة في الأرض سبيلًا إفسادياً ، بحيث يهلك الحرث والنسل ، أي يتعرّض للخلق والزرع فيتلفها ، وقد علّلت الآية بأنّ الله لا يحبّ الفساد ، وهذا معناه أنّ إهلاك الحرث والنسل بنفسه ظاهرة إفسادية ، إلا إذا قام دليل على جوازها في هذا المورد أو ذاك ، فتكون خارجةً للعنوان الطارئ أو للدليل المخصّص ، وتكون الآية على وزان قوله تعالى متحدّثاً عن بني إسرائيل :
( . . قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ )
( الأعراف : 129 ) . وعليه ، فهذه الآية مبدأ من مبادئ ممارسة السلطة في الإسلام ، أن لا يصير الحاكم مهلكاً للحرث والنسل ، ما لم يقم دليل على الاستثناء ، وعليه ، فهذه الآية من
هامش
( 1 ) حسن أبو غدة ، قضايا فقهية في العلاقات الدوليّة - حال الحرب : 29 .