خارج الجزيرة - لا يدلّ على وجود قرار إلهي أبدي بالإجلاء ، رغم أنّ تعبير بعض الروايات ورد فيه الإجلاء « 1 » ؛ لأنّ أحداث المدينة عرفت ملابسات خاصّة ، وبقاء اليهود كان يهدّد أمن الدولة الإسلامية الأمر الذي أكّدته بشكل قاطع أحداث معركة الأحزاب ، التي دفعت النبي لاتخاذ قراره بغزوة بني قريظة ، ثم بخيبر ، ولهذا نجد في بعض نصوص قرار الإجلاء هذا عن المدينة ما يفيد استناد الحكم إلى قرار نبوي بوصفه حاكم المسلمين لا إلى قرار شرعي أبدي ينفّذه النبي ، ففي خبر أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله في حوار النبي مع اليهود في سياق إرهاصات قرار الإجلاء جاء : اعلموا أنما الأرض لله ورسوله ، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض ، فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه ، وإلا فاعلموا إنما الأرض لله ورسوله « 2 » .
فإنّ الاستناد إلى سلطنة النبي على الأرض استناد إلى معيار مالكي لا إلى معيار شرعي قانوني إلهي ثابت ، فكأنه يقول لشخص : هذه الدار داري وأنا قرّرت إخراجك منها ، فإنّ هذا اللسان ليس لسان تشريع إلهي نازل بأمره بذلك إلى يوم القيامة ، وإنما هو لسان حكومي زمني كما هو واضح .
وبهذا لا يصحّ الاستناد إلى التجربة النبوية في المدينة لتعميمها إلى ما نحن فيه ، لا سيما وأنّ الفعل دليل صامت لا إطلاق فيه ، كما هو مقرّر في علم أصول الفقه .
الحديث الرابع : ما عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عليّ ، إن أنت ولّيت الأمر بعدي فأخرج أهل نجران من جزيرة العرب « 3 » .
إنّ هذا الأمر دليلٌ على تشريع إخراج أهل نجران .
هامش
( 1 ) انظر : صحيح البخاري 4 : 65 ، و 8 : 57 ، 156 ؛ ومسند أحمد 2 : 451 .
( 2 ) صحيح البخاري 8 : 156 ؛ وصحيح مسلم 5 : 159 ؛ وسنن أبي داوود 2 : 33 .
( 3 ) مسند أحمد 1 : 87 ؛ والصنعاني ، المصنّف 10 : 361 ؛ وعمر بن أبي عاصم ، كتاب السنّة : 549 .